مسرحية ترامب في حلف الناتو تخفي أزمة خليجية تتصاعد خارجة عن السيطرة

**
"كلما ازداد صخب المشهد السياسي في أنقرة،
كلما كانت الرسالة القادمة من الخليج أوضح:
الدبلوماسية تتراجع بينما تتزايد مخاطر
حرب أوسع نطاقاً بسرعة."



مسرحية ترامب في حلف الناتو تخفي أزمة خليجية تتصاعد خارجة عن السيطرة
13 يوليو 2026
سيدني – الميدل ايست تايمز الدولية:
وصل دونالد ترامب إلى قمة حلف الناتو في أنقرة عازماً على الهيمنة على مجريات الأمور. إلا أنه خلف الخطاب التصادمي، والخلافات الشخصية، والتصريحات الاستعراضية، تكمن حقيقة أكثر خطورة: انهيار وقف إطلاق النار مع إيران، وتجدد الهجمات في الخليج، وتصاعد حدة الصراع على مضيق هرمز.

كان ظهور دونالد ترامب في قمة حلف الناتو في أنقرة، المقرر عقدها في يوليو/تموز 2026، أشبه بإنتاج تلفزيوني درامي منه باجتماع تقليدي لقادة الحلفاء. فمن انتقاده لأعضاء الناتو إلى تصريحاته بشأن إيران وغرينلاند وتركيا والتجارة الأوروبية، حرص الرئيس الأمريكي على أن يدور كل نقاش تقريباً حوله.
لكن وراء هذا المشهد، تكمن حالة طوارئ دولية حقيقية.
كان أهم إعلان لترامب هو إعلانه انتهاء وقف إطلاق النار مع إيران فعلياً، وذلك عقب تجدد تبادل الهجمات في مضيق هرمز ومحيطه. وقد أوحت لغته المتشددة بأن التفاهم الهش الذي تم التوصل إليه بين واشنطن وطهران قد انهار، حتى مع استمرار الممثلين الأمريكيين والإيرانيين في إبقاء باب المفاوضات مفتوحاً جزئياً. أصبح هذا التناقض سمةً بارزةً للأزمة. فقد أعلن ترامب أنه لم يعد يرغب في التعامل مع إيران، مع إقراره في الوقت نفسه باستمرار مشاركة المفاوضين الأمريكيين. وعرضت واشنطن موقفها على أنه محاولة للحفاظ على حرية الملاحة ومنع الهجمات على السفن المدنية. في المقابل، اتهمت طهران السفن بانتهاك المسارات التي فرضتها السلطات الإيرانية، وأكدت أن التدخل الأمريكي هو المسؤول عن زعزعة استقرار الممر المائي.
إن مضيق هرمز ليس مجرد ساحة معركة أخرى، بل هو أحد أهم الممرات البحرية والطاقة في العالم. وأي اضطراب مستمر فيه قد يؤثر على إمدادات النفط، وتكاليف التأمين، وخطوط الشحن، والأسواق العالمية. ولذلك، فإن الخطر يتجاوز بكثير إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
جاء التصعيد الأخير عقب هجوم على سفينة حاويات ترفع علم قبرص بالقرب من عُمان. وأفادت التقارير أن طاقمها تمكن من الإخلاء إلى قارب نجاة، بينما أُدرج مواطن هندي في عداد المفقودين. وقال الحرس الثوري الإيراني إن السفينة تجاهلت التحذيرات وسلكت مسارًا غير مصرح به. ردّت واشنطن بجولة أخرى من الضربات على أهداف إيرانية، واصفةً العملية بأنها محاولة للحدّ من قدرة طهران على تهديد السفن التجارية.
وقالت القيادة المركزية الأمريكية إن الرئيس أمر بالضربات بعد أن أخفق إيران في احترام مذكرة التفاهم المنظمة للنشاط البحري. ولخّص وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث موقف واشنطن الانتقامي بوضوح: "لقد اتخذت إيران خيارًا خاطئًا. والآن تدفع الثمن".
**
ثم أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز حتى إشعار آخر، وحذّرت من أن أي ردّ انتقامي آخر سيُقابل بردٍّ شديد. ونفى ترامب ادعاء طهران بنجاحها في إغلاق الممر المائي، مُصرًّا على أن العمل العسكري الأمريكي هو ما أبقاه مفتوحًا.
تكشف هذه التصريحات المتضاربة عن غياب متزايد لإطار عمل معترف به من الطرفين. وتطالب واشنطن بمرور غير مقيد، دون رسوم أو سيطرة إيرانية. ويبدو أن طهران عازمة على بسط سيطرتها على طرق الشحن القريبة من سواحلها، واستخدام الضغط البحري كوسيلة ضغط ضد العمليات العسكرية الأمريكية.
كما بدأ الصراع يتسع نطاقه الجغرافي. أفادت التقارير أن الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية لم تكن موجهة فقط نحو البحرين والأردن، بل أيضاً نحو الإمارات العربية المتحدة وقطر وعُمان. وكانت هذه الدول قد سعت سابقاً إلى الحد من تورطها في المواجهة، حيث لعبت قطر وعُمان دوراً وساطياً هاماً.
قد تُثبت الهجمات على دول الخليج أنها كارثية استراتيجياً بالنسبة لإيران. فقطر وعُمان من بين الحكومات القليلة القادرة على الحفاظ على التواصل مع كل من طهران وواشنطن. إن تقويض أمنهما يُهدد بإضعاف القنوات الدبلوماسية التي قد تكون ضرورية في نهاية المطاف لوقف الحرب.
كما حوّل التصعيد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) من نقاش حول الأمن عبر الأطلسي إلى فحص علني لانقسامات الحلف بشأن إيران. وانتقد ترامب أعضاء الناتو لرفضهم الانضمام عسكرياً إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، متهماً إياهم بالتقاعس عن مواجهة ما تعتبره واشنطن الدولة الرائدة عالمياً في رعاية الإرهاب.
وتعرضت إسبانيا لمعاملة قاسية بشكل خاص. فقد وصفها ترامب بأنها شريك غير موثوق به في الناتو، وهدد بإنهاء العلاقات التجارية معها، بل وحتى تثبيط زياراتها. وقد أدت هذه التصريحات إلى طمس الخط الفاصل بين التزامات الدفاع الجماعي والعقاب الاقتصادي الثنائي.
ا
**
**
تأسس حلف الناتو لحماية أعضائه من الهجمات الخارجية. لم يكن الهدف من ذلك اشتراط المشاركة التلقائية في كل عملية عسكرية يبدأها أحد الحلفاء خارج نطاق المسؤوليات الجغرافية التقليدية للتحالف. لذا، تواجه الحكومات الأوروبية خيارًا صعبًا: دعم الولايات المتحدة سياسيًا دون الانجرار إلى حرب لم تُصرّح بها ولا تستطيع السيطرة عليها بسهولة.
وقد تُعمّق تصريحات ترامب مخاوف الحلفاء من إمكانية الرد على الخلافات حول الاستراتيجية العسكرية بفرض تعريفات جمركية أو عداء دبلوماسي أو تهديدات للعلاقات الأوسع. فبدلًا من تعزيز وحدة حلف الناتو، كشفت قمة أنقرة عن الفجوة بين توقعات واشنطن واستعداد أوروبا لاتباع السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
وزاد الرئيس من قلق الحلفاء بإعادة فتح ملف غرينلاند. فقد دفع ادعاؤه بأن الإقليم الدنماركي ذو الحكم الذاتي أهم للولايات المتحدة منه للدنمارك، رئيسة الوزراء ميتي فريدريكسن إلى التأكيد مجددًا على أن الدنمارك ستدافع عن كل جزء من أراضيها وأن غرينلاند ليست للبيع.
ورغم الأهمية الاستراتيجية لغرينلاند نظرًا لموقعها في القطب الشمالي ومواردها الطبيعية وقربها من طرق الشحن الشمالية الناشئة، فإن نهج ترامب يُنذر بتحويل نقاش أمني مشروع إلى نزاع سيادي بين حلفاء الناتو.
ومن القضايا الحساسة الأخرى احتمال بيع طائرات مقاتلة من طراز إف-35 لتركيا. وقال ترامب إن الاقتراح لا يزال قيد الدراسة، رغم المخاوف الاستراتيجية والأمنية القائمة منذ زمن طويل. سيكون لمثل هذا القرار تداعيات ليس فقط على حلف الناتو، بل على إسرائيل أيضاً، التي تعتبر تفوقها العسكري النوعي ركيزة أساسية لأمنها الإقليمي.
**
وقد حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أن تزويد تركيا بطائرات شبحية متطورة قد يُغير موازين القوى العسكرية في الشرق الأوسط. ويُظهر استعداد ترامب للنظر في هذا المقترح مدى تعقيد العلاقة بين واشنطن وأنقرة والقدس. فتركيا عضوٌ أساسي في حلف الناتو، لكن طموحاتها الإقليمية المستقلة تتعارض بشكل متزايد مع المصالح الإسرائيلية.
كما أصبحت التوترات الشخصية جزءاً من سردية القمة. فقد بدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني وكأنها تنأى بنفسها عن ترامب بعد رفضها دعم الضربات الأمريكية على إيران. وأظهر خلافهما أن التشابهات الأيديولوجية بين القادة لا تُترجم بالضرورة إلى اتفاق بشأن الحرب.
في المقابل، استقبل ترامب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بحفاوة، وأشار إلى إمكانية منح كييف ترخيصاً لتصنيع صواريخ باتريوت. ويُشير التحسن الظاهر في علاقتهما إلى أن ترامب قد يكون لا يزال على استعداد لتعزيز القدرات الدفاعية الأوكرانية، على الرغم من المواجهات السابقة والغموض الذي يكتنف الدعم الأمريكي المستقبلي.
تكشف هذه التطورات عن إدارة تحاول التعامل مع عدة أزمات مترابطة في آن واحد: الحرب مع إيران، والأمن البحري في الخليج، وتقاسم الأعباء في حلف الناتو، والعلاقات مع تركيا، والمخاوف العسكرية الإسرائيلية، والدفاع عن أوكرانيا، والتنافس المتنامي في القطب الشمالي.
ومع ذلك، يبقى السؤال المحوري مطروحًا: هل لا تزال واشنطن تمتلك استراتيجية دبلوماسية متماسكة تجاه طهران؟
يُفسَّر اتفاق التفاهم بين الجانبين بطرق مختلفة جذريًا. يزعم ترامب أن إيران قبلت قيودًا واسعة النطاق قبل أن تنتهك الاتفاق بشن هجمات جديدة. بينما يرى المسؤولون الإيرانيون أن عهد الترتيبات الأحادية الجانب قد ولّى، ويتهمون واشنطن بعدم الوفاء بالتزاماتها.
بعد مرور ما يقارب نصف فترة المفاوضات التي وُصفت بأنها 60 يومًا، يبدو أنه لم يُحرز تقدم ملموس يُذكر. ويحلّ العمل العسكري محل المفاوضات بشكل متزايد، بينما يصوّر كل طرف الرد بأنه ضروري ودفاعي.
**
وقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى وقف فوري للهجمات، محذرًا من تداعياتها على السلام الدولي والأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي. يعكس نداءه لواشنطن وطهران لاستئناف المفاوضات ضيق هامش العمل الدبلوماسي المتاح.
لا يكمن الخطر الأكبر بالضرورة في سعي أي من الطرفين عمدًا إلى حرب إقليمية شاملة، بل في أن الهجمات المتكررة والتهديدات العلنية وسوء التقدير قد تُفضي إلى اندلاعها.
قد يؤدي استهداف ناقلة نفط إلى شن هجمات على منشآت عسكرية. وقد تُثير حملة قصف أمريكية ردود فعل إيرانية ضد دول الخليج. وقد يؤدي استهداف وسيط إلى إغلاق القنوات الدبلوماسية. ومن ثم، قد يُحوّل اضطراب في مضيق هرمز المواجهة الإقليمية إلى أزمة اقتصادية عالمية.
نجح ترامب في الهيمنة على قمة الناتو، لكن الهيمنة السياسية لا تعني بالضرورة السيطرة الاستراتيجية. قد يُوحي خطابه بالقوة، إلا أن اتساع نطاق الصراع يُشير إلى أن إدارة الأحداث باتت أكثر صعوبة.
في أحسن الأحوال، عادت الدبلوماسية إلى نقطة انطلاقها. وفي أسوأ الأحوال، قد يُشكل انهيار وقف إطلاق النار، وتصاعد الهجمات، والصراع على مضيق هرمز بداية مرحلة أخرى طويلة ومدمرة من الحرب.  
لذلك، ستُذكر قمة أنقرة ليس فقط بسبب أداء ترامب المثير، ولكن أيضاً بسبب اللحظة التي اجتمع فيها قادة الناتو تحت وطأة صراع خليجي يهدد بالخروج عن كل القيود المتبقية.



 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
حقوق الطبع 2007 - تيميس.كوم الشرق الاوسط