| حرب إيران: نصرٌ باهظ الثمن |
|
حرب إيران: نصرٌ باهظ الثمن نيويورك - بقلم سيزار شلالا أعطانا التاريخ مصطلح "النصر الباهظ الثمن" لوصف الانتصارات التي تُكلّف ثمناً باهظاً لدرجة أنها تُفرغ معنى النجاح من مضمونه. وقد تعلّم الملك بيروس ملك إبيروس هذا الدرس بطريقة قاسية. فبعد هزيمة الرومان في هيراكليا وأسكولوم في القرن الثالث قبل الميلاد، تفقد قواته المنهكة، ويُروى أنه صرّح قائلاً: "انتصارٌ آخر على الرومان، وسنُهزم تماماً". تبقى كلماته خالدة لأنها تُجسّد حقيقةً تتجاوز العصور: النصر الذي يُدمّر المنتصر ليس نصراً على الإطلاق. اليوم، يتردد صدى هذا التحذير القديم بوضوح مؤلم في أعقاب الحرب في إيران. يُصرّ بعض القادة على تسمية النتيجة بالنصر، لكنّ المشهد الذي خلّفوه وراءهم يروي قصةً مختلفة تماماً - قصة خسائر فادحة في صفوف المدنيين، ودمار بيئي هائل، وتآكل عميق للمصداقية الأخلاقية والسياسية. إذا كان هذا هو النصر، فهو يُشبه الهزيمة بكل معنى الكلمة. إذا كان هذا هو النصر، فهو يُشبه الهزيمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. تسببت الضربات الأمريكية الإسرائيلية على منشآت النفط والبنية التحتية للمياه والمواقع الصناعية في أضرار بيئية جسيمة. ونتيجة لذلك، يتحمل المدنيون من جميع الأعمار - وخاصة الأطفال وكبار السن والمصابون بأمراض مزمنة والنازحون من ديارهم - العبء الأكبر من المعاناة. أصدرت اليونيسف تحذيرات متزايدة اللهجة من أن أطفال إيران يدفعون الثمن الأكبر للعنف الذي اندلع في البلاد. وفي بعض بياناتها الأخيرة، أدانت المنظمة الضربات التي سوّت المدارس والمستشفيات بالأرض، بما في ذلك الهجوم على ميناب الذي أودى بحياة 168 فتاة تتراوح أعمارهن بين سبع واثنتي عشرة سنة. وتصف اليونيسف هذه الوفيات بأنها "وحشية تُقاس بأرواح الأطفال"، وتؤكد أن الفصول الدراسية والعيادات أماكن محمية بموجب القانون الدولي. ومع ورود تقارير عن ضربات في ثماني عشرة محافظة، ووصف عائلات لصدمات نفسية واسعة النطاق، تحث المنظمة جميع الأطراف على حماية المدنيين، والحفاظ على البنية التحتية الأساسية، ومنع تشكيل جيل كامل في ظل خوف دائم. إن الخسائر البشرية لا تُحصى. إلى جانب ضحايا القصف والقنابل المباشرة، هناك ملايين الأشخاص الذين انقلبت حياتهم رأسًا على عقب بسبب النزوح والجوع والمرض وانهيار الخدمات الأساسية. وتتعرض المستشفيات والخدمات الطبية لضغوط متزايدة، حيث تؤثر الاضطرابات على تقديم الرعاية الصحية الحيوية. وتشير تقديرات وزارة الصحة الإيرانية وجمعية الهلال الأحمر الإيراني إلى أن الأضرار التي لحقت بـ 442 منشأة صحية في أنحاء البلاد تعيق حصول ما يقدر بنحو 10 ملايين شخص على الخدمات الأساسية. وتفيد منظمة "أنقذوا الأطفال" بأن النساء الحوامل في جميع أنحاء المنطقة يُجبرن على الولادة في ظروف غير آمنة، دون إمدادات أساسية، وأحيانًا دون كهرباء. المدارس والمستشفيات والمنازل والجسور - ركائز الحياة اليومية - تحولت إلى ركام. ليست هذه غنائم نصر، بل هي علامات واضحة على انهيار مستقبل المجتمع. باسم النصر، تم تهميش العدالة، وتلاشى مبدأ المساءلة، وأصبحت المعايير الدولية التي وُضعت لكبح جماح الأقوياء اختيارية. عندما تتخلى الدول عن المبادئ التي تعهدت بالتمسك بها، يصبح العالم أكثر خطورة على الجميع، وليس فقط على سكان مناطق النزاع. أدان البابا ليو الرابع عشر، في خطابه إلى أساقفة الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، الحرب بشكل قاطع. وذكّرهم - والعالم أجمع - بأنه لا مبرر لإراقة دماء الأبرياء. وحثّهم على إعلان أن الله لا يبارك الصراع، وأن دعاة السلام لا يمكنهم الوقوف مع من يلوّحون بالسيف اليوم ويلقون القنابل غدًا. إن التكاليف الاقتصادية للهجوم على إيران باهظة. ويشكك البروفيسور جاستن وولفرز، من جامعة ميشيغان، بشدة في تقديرات البنتاغون. ويجادل بأنه عند أخذ جميع العوامل في الاعتبار - صواريخ توماهوك وباتريوت التي أُطلقت، والطائرات الحربية التي حلّقت، والتي فُقدت في بعض الحالات، وباقي المعدات التي استُهلكت - فإن التكاليف أعلى بكثير. في إيران وحدها، أسفرت القصف الأمريكي والإسرائيلي عن مقتل أكثر من 3000 شخص، وإصابة أكثر من عشرة أضعاف هذا العدد. يُضاف إلى ذلك تكاليف الرعاية الطبية لجميع المصابين والمحتاجين إلى إعادة تأهيل دائمة. ويُقدّر أن الحرب ستُكلّف في نهاية المطاف مئات المليارات من الدولارات. وكما هو الحال في جميع الحروب، فإن مكسب مُصنّعي وتجار الأسلحة هو خسارة البشرية. إذ يشهد مُصنّعو الأسلحة ارتفاعًا كبيرًا في الأرباح نتيجة الحرب مع إيران، مدفوعًا بارتفاع أسعار الأسهم المرتبطة بعقود البنتاغون الجديدة. إضافةً إلى ذلك، أدّى التوقف شبه التام لإمدادات النفط والغاز إلى زيادة استخدام بعض الدول، مثل كوريا الجنوبية واليابان، لأنواع الوقود الأكثر تلويثًا للبيئة كالفحم. لم تُحقق الحرب أيًا من الأهداف التي حددتها الولايات المتحدة وإسرائيل تقريبًا. لم يتم القضاء على النظام الإيراني، بل استُبدل بقادة أكثر عدوانية، ولم يتم تدمير قدرة إيران على بناء الصواريخ بشكل كامل، والتي تستطيع الوصول إلى المناطق الحضرية الرئيسية في إسرائيل. ما تبقى بعد هذه المواجهة هو مشهد من الخراب - هادئ، لكنه مُدين بشدة. يكشف هذا المشهد حقيقةً لا تستطيع الروايات الرسمية إخفاءها: عندما يُقاس النصر بالأنهار الملوثة، والمنازل المُدمرة، والعائلات الثكلى، وانهيار العدالة، فإن ما تحقق ليس نصرًا على الإطلاق. إنها هزيمة - ليس فقط لحقوق الإنسان والقانون الدولي، بل للروح التي تجعلنا بشرًا.
سيزار شلالا، الحائز على جائزة نادي الصحافة الأجنبية الأمريكية لأفضل مقال في مجال حقوق الإنسان، هو مستشار دولي في مجال الصحة العامة. وهو أيضًا مراسل صحيفة "ذا الميدل إيست تايمز الدولية" (أستراليا) في نيويورك، ومستشار في مجال الصحة العالمية، ومحرر مساهم في مجلة "ذا غلوباليست".
بقلم باولا بيلانسييري |