| ترامب يتراجع عن التصعيد مع اصطدام حرب إيران بالضغوط الإقليمية والانتخابية |
** «قد تكون واشنطن قادرة على ضرب إيران من بعيد، لكن حلفاءها في الخليج يدركون أن أي ردّ إيراني سيطاول أراضيهم واقتصاداتهم وشعوبهم.»
|
ترامب يتراجع عن التصعيد مع اصطدام حرب إيران بالضغوط الإقليمية والانتخابية 4/08/2026 سيدني – الميدل ايست تايمز الدولية: يعود الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرة أخرى إلى اتباع نهجه المألوف: التهديد بتصعيد عسكري كبير، ثم التراجع مؤقتاً لإعطاء الدبلوماسية فرصة جديدة. وفي هذه المناسبة، أعلنت إيران رسمياً أنه لا توجد مفاوضات مقررة. لكن الوسطاء غالباً ما يعملون بعيداً عن الأضواء، وقد تستمر الاتصالات غير المباشرة حتى في الوقت الذي ينفي فيه الطرفان وجود محادثات رسمية. ويبقى السؤال الأساسي: ما الذي دفع ترامب إلى التراجع هذه المرة؟ الإجابة الأكثر ترجيحاً هي الخشية المتزايدة من اتساع رقعة التصعيد الإقليمي. فقد تعرضت دول عدة في الشرق الأوسط لأضرار طاولت البنى التحتية ومنشآت الطاقة وصادرات النفط. وكلما طالت الحرب، ازداد خطر اندماج الهجمات المتفرقة في مواجهة إقليمية واسعة يصبح احتواؤها أكثر صعوبة. وفي العراق، أفادت التقارير أخيراً بمقتل نحو عشرين شخصاً في ضربات أميركية. وقد رافقت مراسم تشييعهم موجة قوية من المشاعر المناهضة للولايات المتحدة، ما يعكس التداعيات السياسية لاستمرار العمليات العسكرية الأميركية. وإلى الجنوب، لا يزال الحوثيون ناشطين في محيط مضيق باب المندب، في وقت تراجعت فيه حركة السفن التجارية عبر البحر الأحمر، مع إعادة شركات الشحن تقييم المخاطر الناجمة عن الصواريخ والمسيّرات والهجمات التي تستهدف السفن. أما في البحر المتوسط، فقد استهدفت طائرة مسيّرة، وفقاً للتقارير، سفينة مملوكة لجهة أميركية، في مؤشر إضافي إلى أن النزاع لم يعد محصوراً بإيران ومحيطها المباشر. وتُظهر هذه التطورات مجتمعة أن البيئة الإقليمية أصبحت أكثر خطورة من أي وقت مضى. ومن هنا، اكتسب الاتصال الهاتفي الذي أجراه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع ترامب أهمية خاصة، بعدما أفادت التقارير بأنه دعاه إلى ممارسة مزيد من ضبط النفس والعمل على خفض التوتر. كما نقلت الإمارات العربية المتحدة وقطر رسائل مشابهة إلى واشنطن. وحجة هذه الدول واضحة ومباشرة: الولايات المتحدة هي التي بدأت المواجهة مع إيران، لكن الأراضي الأميركية تقع خارج المدى المباشر لمعظم الأسلحة الإيرانية، بينما تبقى دول الخليج عرضة للصواريخ والمسيّرات والهجمات المحتملة على القواعد العسكرية ومنشآت الطاقة والموانئ والمدن. فالولايات المتحدة تستطيع تنفيذ عملياتها من مسافة بعيدة، بينما يتعين على شركائها الإقليميين العيش مع عواقبها. أسعار النفط والضغوط الداخلية هناك عامل مهم آخر يتمثل في تأثير تصريحات ترامب على أسواق النفط العالمية. فكلما أشار الرئيس الأميركي إلى احتمال استئناف المفاوضات أو وقف التصعيد العسكري، تميل أسعار النفط إلى الانخفاض. وهذا الأمر يرتبط مباشرة بالضغوط السياسية الداخلية التي تواجهها الإدارة الأميركية. وقد دخلت الحرب، بحسب التقارير، يومها السابع والخمسين بعد المئة. وفي بداية المواجهة، توقع ترامب أن تستمر الحملة ضد إيران ما بين أربعة وستة أسابيع فقط. بدأ القتال في 28 فبراير، وكانت انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في 3 نوفمبر تبدو آنذاك بعيدة. أما اليوم، فلم يعد يفصل عنها سوى نحو ثلاثة أشهر، فيما بدأت الساعة السياسية تدق بسرعة. وأظهر استطلاع حديث أجراه مركز «بيو» للأبحاث، وفقاً للتقارير، أن أكثر من 60 في المئة من الأميركيين يعارضون الحرب. كما أسهم النزاع في زيادة المخاوف المتعلقة بالتضخم وارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة بصورة عامة. ومن المرجح أن تؤثر هذه القضايا في الناخبين بصورة مباشرة أكثر من النقاشات المتعلقة بالاستراتيجية العسكرية في الشرق الأوسط. وبالنسبة إلى ترامب والحزب الجمهوري، أصبح إنهاء المشاركة الأميركية في حرب إيران، أو خفض مستواها على الأقل، أولوية سياسية متزايدة الإلحاح. فقد تؤدي العمليات العسكرية المستمرة إلى إلحاق مزيد من الأضرار بالبنية التحتية الإيرانية، لكنها تؤجل في الوقت نفسه السؤال الذي لا مفر منه: كيف ستنتهي هذه الحرب؟ وما لم يحقق أحد الطرفين انتصاراً حاسماً، فإن المفاوضات ستبقى في نهاية المطاف أمراً ضرورياً. مضيق هرمز يحل مكان الملف النووي في بداية الحرب، تركز النقاش الدولي بصورة شبه كاملة على القدرات النووية الإيرانية. أما اليوم، فقد أصبح الخطر الأكثر إلحاحاً يتمثل في مضيق هرمز. وتشير بيانات حركة الملاحة، بحسب التقارير، إلى أن عدد السفن العابرة للمضيق تراجع بنسبة 28 في المئة خلال الأيام الأربعة الأخيرة، رغم أن الحركة كانت أصلاً أقل بكثير من مستوياتها الطبيعية. ولا يزال عدد السفن التي تمر عبر الممر المائي أدنى بكثير من المعدل المطلوب لاستمرار العمليات التجارية الطبيعية، والمقدر بنحو مئة سفينة يومياً. ويُقال إن سلطنة عُمان، الواقعة جنوب المضيق، وإيران الواقعة إلى الشمال منه، تجريان محادثات حول كيفية إدارة الممر المائي على المدى الطويل. لكن هذه المحادثات لا توفر حلاً فورياً للأزمة. فمضيق هرمز لا يزال أحد أهم طرق نقل الطاقة في العالم. وأي تعطيل طويل الأمد لحركة الملاحة عبره سينعكس على صادرات النفط وإمدادات الغاز وتكاليف التأمين والشحن العالمي وأسعار السلع الاستهلاكية. وبذلك، تحولت المواجهة التي بدأت بسبب البرنامج النووي الإيراني إلى أزمة تهدد التجارة الدولية وأمن الطاقة العالمي. حدود الاستراتيجية الأميركية يبدو أن الاستراتيجية الأميركية قامت على معاقبة إيران من خلال توجيه ضربات عسكرية متزايدة القسوة، إلى أن توافق قيادتها على التفاوض وفق الشروط التي تضعها واشنطن. وقد تؤثر مثل هذه الاستراتيجية في الرأي العام داخل نظام ديمقراطي، ولا سيما عندما يواجه المدنيون أعباء اقتصادية وإنسانية متصاعدة. لكن إيران لا تُحكم وفق نظام ديمقراطي. وقد ترى القيادة الإيرانية والحرس الثوري أنهما قادران على تحمل الضغوط مدة أطول من الفترة التي تستطيع الولايات المتحدة سياسياً مواصلة الحرب خلالها. ومن وجهة نظر طهران، قد لا يعتمد النجاح الاستراتيجي على هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً، بل على الصمود في وجهها إلى أن تتراجع تحت وطأة الضغوط السياسية الداخلية. وتدرك إيران أن التأييد الشعبي الأميركي للحرب يتراجع، وأن الانتخابات تقترب، وأن ارتفاع أسعار الوقود يمكن أن يتحول إلى مشكلة داخلية خطيرة بالنسبة إلى ترامب. وإذا تمكنت طهران من الصمود في وجه الضربات، مع الحفاظ على نفوذها في مضيق هرمز والاستمرار في تهديد المصالح الإقليمية، فقد تخرج من الحرب في موقع استراتيجي أقوى. وقبل اندلاع الحرب، كانت واشنطن وحلفاؤها ينظرون إلى إيران على نطاق واسع باعتبارها دولة معزولة أو منبوذة. لكن المواجهة قد تنتهي في نهاية المطاف إلى تعزيز مكانتها كقوة إقليمية رئيسية، ولا سيما إذا نجحت في ترسيخ نفوذ أكبر على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وهذه النتيجة تختلف جذرياً عما كان يتوقعه ترامب أو الحزب الجمهوري عند بداية الحرب. ورغم أن الولايات المتحدة ربما ألحقت أضراراً كبيرة بالمنشآت العسكرية والنووية الإيرانية، فإن التدمير العسكري وحده لا يضمن التوصل إلى تسوية سياسية تصب في مصلحة واشنطن. وإذا اعتقدت إيران أن عامل الوقت يعمل لمصلحتها، فإن شن مزيد من الهجمات قد يعزز تصميمها بدلاً من إجبارها على الاستسلام. وتتمثل نقطة الضعف الأساسية في المقاربة الأميركية في اعتمادها الكبير على العقاب العسكري، من دون وضع نهاية سياسية واضحة وقابلة للتحقيق. ويواجه ترامب الآن خياراً صعباً. فإما أن يواصل العمليات العسكرية، مخاطراً بتصعيد إقليمي أكبر وارتفاع أسعار النفط وتزايد المعارضة الداخلية، وإما أن يتجه إلى المفاوضات التي قد تتطلب تنازلات لا ترقى إلى مستوى الانتصار الشامل الذي وعد به سابقاً. وفي كلتا الحالتين، كشفت الحرب حدود استراتيجية قامت على افتراض أن الضغط العسكري الساحق سيدفع إيران سريعاً إلى قبول المطالب الأميركية. وما قُدّم في البداية على أنه حملة قصيرة وحاسمة تحول إلى اختبار طويل للإرادة والقدرة على الصمود، وقد ترى إيران أن الصمود هو الميدان الوحيد الذي تستطيع فيه إلحاق الهزيمة بالولايات المتحدة. |