| مأساة هيلين هاينز تهزّ أستراليا… وتضع سلامة ممثلي الشعب وثقة المجتمع على المحكّ |
** لقد طغت المأساة التي وقعت في وانغاراتا على عمل هيلين هاينز، سواء فيما يتعلق بـ "اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد" أو جهودها الدؤوبة للمطالبة بتحسين خدمات الصحة النفسية في المناطق الريفية. الصورة: ميك تسيكاس/AAP/AP © الصورة: ميك تسيكاس/AAP/AP ** "حين يصبح الاقتراب من الناس خطراً على ممثّليهم، تُصاب الديمقراطية في قلبها؛ فلا تُحمى الأوطان بتطبيع الكراهية، ولا تُصان الحرية بإجبار أصحاب الرسالة على العيش خلف الحواجز."
|
مأساة هيلين هاينز تهزّ أستراليا… وتضع سلامة ممثلي الشعب وثقة المجتمع على المحكّ 24/10/2026 سيدني – الميدل ايست تايمز الدولية: طغت المأساة المروّعة التي وقعت في وانغاراتا بعد ظهر الاثنين على خبرٍ توليه هيلين هاينز اهتماماً عميقاً. ففي وقت سابق من ذلك اليوم، أعلنت المدعية العامة تعيين رئيس جديد للمفوضية الوطنية لمكافحة الفساد، في خطوة يُؤمل أن تؤذن بانتهاء مرحلة تأسيسية صعبة مرّت بها هذه الهيئة الرقابية. وكانت هاينز صاحبة الدور المحوري في فرض إنشاء المفوضية على جدول الأعمال السياسي، وأسهمت في صياغة هيكلها وآليات الرقابة عليها. وخلال الأشهر الأخيرة، عملت بعيداً عن الأضواء مع ميشيل رولاند لبحث تغييرات محتملة في آلية عمل المفوضية. كما تشغل منصب نائبة رئيس اللجنة البرلمانية التي وافقت على تعيين قاضي المحكمة الفيدرالية روبرت ماكليلاند خلفاً للمفوّض السابق بول بريريتون، الذي افتقر إلى الحساسية تجاه المزاج العام. وكيف قيّمت هاينز ملاءمة ماكليلاند، المدعي العام السابق في حكومة كيفن راد، لهذا المنصب؟ رأت أنه الشخص الذي تحتاج إليه المفوضية لاستعادة ثقة المجتمع، واجتثاث الفساد وسوء الإدارة بفاعلية. وفي بيان أصدرته بعد اختتام فعالية مجتمعية في مانسفيلد، وصفت هاينز التعيين بأنه فرصة لإعادة المصداقية والنزاهة إلى المفوضية. ثم انقلب المشهد إلى كابوس. ففي أحد أحلك الأيام التي شهدتها السياسة الفيدرالية الأسترالية، تعرّضت نائبة دائرة إندي لما يُشتبه بأنه اعتداء متعمّد خارج مكتبها الانتخابي. وفي ولاية ومنطقة لا تزالان تعانيان تداعيات الإحباط والغضب اللذين خلّفتهما مرحلة جائحة كورونا، وحيث توجد أقلية تشعر بالانفصال عن المجتمع ولا تعترف بسلطة أي مسؤول أو مؤسسة عامة، ستظلّ أصداء الإصابات المروّعة التي لحقت بنائبة محلية طيبة القلب تتردّد طويلاً؛ وهي النائبة التي وصفها سياسيون من مختلف الأطراف بأنها «أفضل مَن فينا». ويرجّح أن سرعة بديهة السكان المحليين، والاستجابة العاجلة من الشرطة وطواقم الإسعاف، حالتا دون نتيجة أشدّ سوءاً لهاينز. واللافت أن قلة قليلة من أعضاء البرلمان استغربت إمكان وقوع حادث كهذا. فكثيرون كانوا يتوقّعون منذ مدة أن يتسلّل العنف إلى السياسة الأسترالية. وقد صُدموا بعبثية الاعتداء والإصابات التي لحقت بهاينز، لكنهم لم يستغربوا أن تلحق أستراليا في نهاية المطاف بدول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا، التي تشهد بالفعل اعتداءات من هذا النوع. وبالنسبة إلى الذين يتلقّون تهديدات وإساءات متزايدة، ولا سيما النساء في البرلمان وفي مواقع المسؤولية الأخرى، كانت المسألة مسألة وقت. ولم تُحدَّد بعد دوافع المتهم بالاعتداء، ويبدو أن مشكلات تتعلّق بالصحة النفسية أدّت دوراً فيما حدث. لكن الألم والمراجعة اللذين أثارهما عنف الاثنين يجب ألّا يقودا إلى التهاون إزاء الخطر المستمر. وينبغي أيضاً أن يسلّطا الضوء على التآكل الذي يطال أسس نظامنا. وقد بدأ نقاش وطني بشأن التدابير الأمنية المناسبة لحماية المسؤولين المنتخبين، كاشفاً مدى تعقيد توفير الحماية الشخصية اللصيقة لـ226 سياسياً فيدرالياً، وكلفتها الباهظة. وينفق كثيرون منهم بالفعل آلاف الدولارات لتعزيز أمن منازلهم، ويخشون على أفراد عائلاتهم وموظفيهم ومتطوّعيهم. كما تواجه الشرطة والأجهزة الأمنية صعوبة في التعامل حتى مع التهديدات الخطيرة أو السلوكيات العدوانية والمخلّة بالنظام في المكاتب الانتخابية والفعاليات العامة. وأعرب نواب هذا الأسبوع عن إحباطهم لأن الأجهزة الأمنية لم تزوّدهم بما يكفي من الوسائل والإرشادات لحماية أنفسهم. وكشفت مفوّضة الشرطة الفيدرالية، كريسي باريت، أنه لا يكاد يمرّ أسبوع من دون توجيه اتهام إلى شخص واحد على الأقل على خلفية تهديد سياسيين أو شاغلي مناصب عليا. لا ينبغي أن تكون الأمور على هذا النحو، ولا ينبغي أن تكون معالجة هذه المشكلات فوق قدرتنا كبلد. وتتغيّر أيضاً طريقة تفاعل المسؤولين المنتخبين مع الجمهور. وحتى الآن، ثبت أن استعادة الاحترام والشعور بالمسؤولية الشخصية في الخطاب السياسي أمر بالغ الصعوبة. فالسلوك المروّع الذي يمارسه بعض الأشخاص عبر الإنترنت يتسرّب إلى التعاملات المباشرة، ما يدفع بعض أصحاب الكفاءة إلى إعادة النظر في دخول الحياة العامة أو الاستمرار فيها. ومع تنامي المخاطر، ستصبح اللقاءات العفوية بين الناخبين وممثليهم أقلّ حدوثاً. كما أن طريقة تعامل السياسيين مع ناخبيهم تسهم بدورها في هذا التصدّع. وقد استند نجاح هاينز في دائرة إندي، جزئياً، إلى صراحتها وبساطتها وقربها من الناس. فهي تتحدّث بلغة طبيعية، وتستند إلى مسيرة مهنية طويلة في التمريض والقبالة والعمل الأكاديمي قبل دخول السياسة، ما يُبرز أوجه قصور لدى بعض العاملين في كانبيرا. وعندما خاطبت الحاكمة العامة سام موستين الأستراليين مساء الأربعاء، إلى جانب فيل، زوج هاينز، دعت الجميع إلى أن يتعلّموا، أو يعيدوا تعلّم، كيفية «تمرين عضلة اللياقة الإنسانية لدينا». وكما كان متوقّعاً، سرعان ما تعرّضت موستين لوابل من الإساءات عبر منصات التواصل الاجتماعي نفسها التي تستخدمها لمحاولة الارتقاء بالنقاش الوطني، وتوضيح نظام الحكم وتقريبه من الجمهور. وعلى مدى سنوات، طالبت هاينز بتحسين خدمات الصحة النفسية في المناطق الإقليمية، بما فيها بلدات دائرتها الانتخابية الشاسعة. وأبلغت زملاءها أن أبناء دائرتها يواجهون صعوبة في الحصول على المساعدة لأنفسهم ولأحبّائهم بسبب نقص الاختصاصيين النفسيين. وحذّرت من أن قوائم الانتظار خارج المدن الكبرى طويلة للغاية، وأن كلفة الخدمات الضرورية تفوق قدرة كثيرين. وقبيل اجتماع وزراء الصحة النفسية يوم الجمعة، قال باتريك ماكغوري، الحائز سابقاً لقب «شخصية العام في أستراليا»، إن الاتفاق الوطني الحالي بشأن الصحة النفسية والوقاية من الانتحار قاصر بشدة، ويحتاج إلى إصلاح شامل. وأكد ضرورة تحسين متابعة أهداف الاتفاق وقياس مدى تحقيقها، لرصد التقدّم في مختلف أنحاء البلاد. وبحسب ماكغوري، يتمثّل أسوأ الاحتمالات في الخطر الذي قد يشكّله عدد قليل من الأفراد المصابين باضطرابات نفسية حادّة على المجتمع الأوسع. وتطرح فظاعة الجريمة التي حصلت أسئلة أكثر بكثير مما تقدّم أجوبة. وستستغرق الإجراءات القضائية ومسيرة التعافي الطبي الطويلة وقتاً مديداً. لكن القدوة التي تجسّدها هيلين هاينز، إلى جانب موظفيها ومتطوّعيها المتفانين، ينبغي أن تساعد في رسم الطريق إلى الأمام. |