"الاغتراب اللبناني ثروة وطنية تتجاوز التحويلات المالية؛ إلى قوةٍ تصنع نهضة لبنان".





راشد شاتيلا: الاغتراب اللبناني… من تحويلات مالية إلى شراكة في بناء المستقبل
بقلم: راشد شاتيلا
سيدني - الميدل ايست تايمز الدولية: منذ أكثر من قرن، لم يكن الاغتراب اللبناني مجرد ظاهرة هجرة بحثًا عن فرصة أو حياة أفضل، بل أصبح جزءًا من قصة لبنان نفسها. ففي مختلف القارات، بنى اللبنانيون شركات ومؤسسات، ونجحوا في التجارة والصناعة والطب والهندسة والبحث العلمي والتكنولوجيا والفنون. ومع مرور الوقت، تحولت العلاقة بين لبنان واغترابه إلى علاقة إنسانية واقتصادية عميقة، حافظت على حضور الوطن في قلوب أبنائه أينما كانوا. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يكفي أن يبقى دور الاغتراب محصورًا في التحويلات المالية، أم أن الوقت قد حان لبناء شراكة تنموية جديدة بين لبنان واللبنانيين المنتشرين في العالم؟
لقد شكلت تحويلات المغتربين لعقود عنصرًا أساسيًا في دعم الاقتصاد اللبناني، إذ بلغت التحويلات الشخصية إلى لبنان نحو 6.7 مليارات دولار في عام 2023، فيما تمثل نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بدول عديدة في العالم. لكن أهمية الاغتراب لا تختصر بالأرقام وحدها. فالثروة الحقيقية التي يملكها لبنان في الخارج ليست فقط الأموال، بل أيضًا الخبرات والشبكات المهنية والعلاقات الاقتصادية والمعرفة المتراكمة في مختلف القطاعات.
في عالم يقوم أكثر فأكثر على المعرفة والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، يمكن للبناني المقيم في الخارج أن يكون أكثر من مستثمر أو مرسل للتحويلات. يمكنه أن يكون شريكًا في نقل الخبرات، وفتح الأسواق أمام المنتجات والخدمات اللبنانية، وربط الجامعات بمراكز البحث العالمية، ودعم الشركات الناشئة، والمساهمة في بناء مشاريع إنتاجية قادرة على خلق فرص عمل داخل لبنان. وقد أشارت تقارير البنك الدولي إلى أن الجاليات اللبنانية في الخارج تشكل شبكة واسعة من الخبرات والفرص التجارية والعلمية التي يمكن أن تسهم في التنمية إذا توفرت الأطر المناسبة والثقة المطلوبة. 
لكن بناء هذه الشراكة يحتاج إلى رؤية جديدة. فلبنان لا يحتاج إلى علاقة موسمية مع اغترابه تقوم فقط على الدعم في الأزمات، بل إلى علاقة مؤسساتية طويلة الأمد. يمكن التفكير في منصات اقتصادية واستثمارية تربط رجال الأعمال اللبنانيين في الخارج بالمشاريع الإنتاجية داخل البلاد، وفي صناديق تنموية شفافة تساهم في تمويل مشاريع البنية التحتية والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والتعليم والاقتصاد الرقمي. كما يمكن إنشاء شبكات للخبراء اللبنانيين في مجالات الطب والهندسة والذكاء الاصطناعي والبحث العلمي لتبادل المعرفة مع الجامعات والمؤسسات المحلية.
غير أن أي شراكة حقيقية تحتاج إلى عنصر أساسي هو الثقة. فالعديد من الدراسات تشير إلى أن المغتربين اللبنانيين يمتلكون رغبة قوية في المساهمة في تنمية وطنهم، لكنهم يبحثون أيضًا عن بيئة أكثر شفافية واستقرارًا ووضوحًا في القوانين والمؤسسات. فالمستثمر، سواء كان مقيمًا في الداخل أو الخارج، يحتاج إلى قضاء فعّال، وإدارة حديثة، وقوانين واضحة، ومناخ يشجع المبادرة والإبداع.
ومن المهم أيضًا النظر إلى الجيل الجديد من أبناء الاغتراب. فهؤلاء الذين ولدوا أو نشأوا خارج لبنان لا يحملون فقط ذاكرة العائلة والحنين إلى الوطن، بل يملكون أيضًا خبرات وعلاقات وأساليب عمل اكتسبوها في المجتمعات التي يعيشون فيها. ويمكن أن يصبحوا جسورًا ثقافية واقتصادية وعلمية بين لبنان والعالم، إذا نجح البلد في بناء علاقة حديثة معهم تقوم على الشراكة لا على العاطفة وحدها.
إن الدول الصغيرة التي حققت نجاحات اقتصادية في العصر الحديث لم تعتمد فقط على مواردها الطبيعية، بل على قدرتها على ربط الداخل بالخارج، وتحويل الانتشار البشري إلى قوة اقتصادية ومعرفية. ولبنان يمتلك فرصة نادرة في هذا المجال؛ فهو لا يملك اغترابًا بعيدًا عن وطنه، بل يمتلك شبكة عالمية من اللبنانيين الذين ما زال كثير منهم يحتفظون بعلاقة وجدانية وثقافية وإنسانية مع بلدهم.
ربما لم يعد السؤال اليوم: كم يرسل الاغتراب إلى لبنان من أموال؟ بل أصبح السؤال الأعمق: كيف نحول هذه العلاقة التاريخية إلى شراكة تنموية مستدامة؟
فاللبناني في الخارج ليس مجرد مهاجر يحمل ذاكرة وطن، بل يمكن أن يكون شريكًا في بناء مستقبله. وعندما تتحول المسافات إلى جسور، والخبرات إلى مشاريع، والعلاقات إلى فرص، يصبح الاغتراب أكثر من امتداد للبنان في العالم؛ يصبح جزءًا من نهضته.
راشد شاتيلا