ويبقي لبنان في حاجة إلى تعريف…!؟ جدليّة الاستيطان والهجرة

دكتور ناصيف قزي
**
«لا يُنقَذ لبنان بالشعارات فيما يُهجَّر أبناؤه وتُسحق
كرامتهم؛ إنقاذه يبدأ ببناء دولةٍ تحمي الإنسان، وتصون
العدالة، وتجعل البقاء فيه حقّاً لا بطولة.»



كلمة الدكتور ناصيف قزّي خلال مؤتمر   Colloque – HOSPITALITE
جامعة الروح القدس – الكسليك/ الإثنين 19 تشرين اول/ أوكتوبر 2026.

*
ويبقي لبنان في حاجة إلى تعريف…!؟
             
   جدليّة الاستيطان والهجرة

 
كنت قد بدأت حياتي الأكاديميّة في هذا الصرح الجامعي العريق، قبل نيّفٍ وأربعة عقود… يوم كان لبنان في اللهب... وما يزال...!؟ ومنذ ذلك التاريخ، تبدّلت عناوين المراحل وشعاراتها… وشعائرها… وصافرات سيارات الإسعاف بقيت هي هي… والمشافي تغص بالمصابين والجثث…!؟ في لبنان، دخان الحرائق بدّد كلّ شيء… ضاع المعنى، وتسطّحت كلّ الدلالات… فغَدَونا ساحةً يضجّ فيها رَجْعُ صدىً أقرب إلى الهذيان… منه إلى الوضوح والتميّز…!؟ قاتلنا من أجل كلّ القضايا، وفي طليعتها قضيّة فلسطين… لنصبح اليوم "أمّ القضايا" بلا منازع: مشرّدون، تائهون… احتُلّت أرضُنا، تشلّع مجتمعُنا، هزُلت إمكاناتُنا، تبخّرت مواردُنا وجَرَشَت أجيالَنا الصاعدة هجرةٌ قاسية تقطّعَت معظمُ جسورِها...  ولم يَبْقَ لنا سوى القداسة وطلب الشفاعة.
لقد أضاع إنسانُنا بوصلة المعنى، فامتطى جوادَ المرارات وسقط في شبه عدميّة، أين منها تلك التي عَرَفَتْها أوروبا بعد الحربين العالميّتين في القرن الماضي.
متعثّرون نحن، في تحديد هُويّتِنا... عاجزون عن تسويغ رؤيةٍ لبناء دولتِنا وحِفْظِ مجتمعنا.
تطالعنا كلّ يوم أحرفيّة جاحدة تملأ صفحاتَنا والأثير... من يدري، ربما نكون قد أُصِبْنا بالمعطوبيّة… فلم نَعُد نعي كيفيّة ترسيم رؤيةٍ للنهوض وإعادة البناء.
فمتى نستفيق، نحن اللبنانيّين، على حالنا...!؟ وحبّذا لو نستفيق...!؟ وهل تعود عجلة الزمان إلى ما كان...!؟
*
حين نَسْتفيق، نحن اللبنانيّين، من حالةِ الفوضى والهذَيان التي نمرّ بها؛ حينذئذٍ، سنُدْرك معنى الزمان… ولا سيما الزمان المهْدور الذي قَوْلَبَتْه لنا، وعلى مدى عقود، عقولٌ حَجَريّةٌ، تستَنْطق المَحَال، وقد جَفّتْ فيها ضوابط القياس، وانْعَدَمَتْ لديها أبْجَدِيّةُ المعرفة… لتُمْسِيَ مُجَرّدَ تجاويفَ للخطأ والخطيئة؛ حين نَسْتفيق، سنُدْرك كيف أنّ هذا الزمان قد ضُبِطَ لدينا، وللأسف، على إيقاع الكراهية والتجبّر والإلغاء، ليُبَدّد الما-يجب-أن-يكون، من قيم العدالة والمساواة والأخوة والتسامح…!؟ فكم وقَعْنا في المحظور… وكم وكم كنّا ضحايا لسياساتٍ خاطئة، ورؤىً مُضَلّلَة… ونظرياتٍ تافهة… واسْتراتيجيّاتٍ عقيمة… وإلَهِيّاتٍ تقوم على"حروبِ آلهة"، وَسْطَ صَمْتِ الأنْبياء…!؟ حَسْبُنا اليوم، نحن، أجيال المعانات والتيه، أن نَعي أنّ مساحة أعمارِنا المفتَرَضَة، الهادئة والهانئة، قد لا تُقاس بعدَد السنوات، بقدر ما هي أيامٌ يَسهُل تعدادُها… ليس المقصود ممّا تقدّم أن نَقَعَ في ملامَة النفس، أو أن نَغْرَقَ في اليأس… بل المطلوب أن نَكْتَشِف، من جديد، فعلَ المحبة، فنُسهمَ في بناء إنسانيّةٍ، دَيْدَنها الأبرز حِفْظ كرامة الإنسان، الإنسان الفرد… ومواطنيّةٍ نِبْراسها الغَيْريّة… على طريق بناء النحن، النحن العظيمة في قِيَمِها وتطلّعاتِها… ولتحقيق ذلك، لا بد لنا أن ننزل من عليائنا ونُجْري مراجعة… قد تضعُنا جميعاً، وفي بَدْءٍ من المكان، في انسيابيّة الزمان… والزمان بهذا المعنى، يصبح سرمدياً، مرصّعاً بالقيم العامة، بل بالحقائق… وقد أقول، عندئذ، إنه عَوْدٌ على بَدْء: و"في البَدْء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله"1.
*
أنختصر القول بأنّنا "شعبٌ مضياف" Hospitalité Libanaise، أم نقول إن أحداثاً كثيرةً وخطيرةً دفعت إلينا موجاتٍ بشريّةٍ، بلغَت ذروتَها في العقد الأخير، مع النزوح السوري إلينا...!؟ هنا، على هذه الأرض التي قدّستها أقدام العابرين إلى "العهد الجديد"… الأرضُ التي عصِيَتْ مدائِنُها على الفاتحين والغزاة2؛ الأرضُ التي وطَأتها أقدام السيد المسيح يوم جاء، وبرفقة مريم، إلى بيت صيدا... تماماً بعد أن أعْلَنَ ذاتَه في قانا الجليل... وقبل أن يلتقي المرأة الكنعانيّة التي كان "عظيماً إيمانها"، "فكان لها ما أرادت3"...!؟ هنا، على هذه الأرض التي شهِدَتْ "آيةَ يونان" التي تشير إلى موت المسيح وقيامته... الآية التي "أُعطِيَت، فيما بعد، للكتبة والفرّيسيّين4".
هنا، على هذه الأرض التي انطلق منها الرسل... أرضِ قدموس وطاليس وغيرهم... أرضِ إليسا وهنيبعل... أرضِ يوحنا مارون والأوزاعيّ والعامليّين وفخر الدين...
على أرضِ لبنان، عند ساحله وفوق جباله، تعاقَد اللاهوت والناسوت، من جبل حرمون (جبل الشيخ) وتلال الجنوب، إلى تلّ عَرْقَة، مروراً بعنّايا وسائر محابس القدّيسين وأوديتِهم والأديار... ليصيرَ فعلُ التجلّي الإلهي حالةً تراكميّةً متعاظمة، تتناثر ضياؤها في كلّ بقاع الأرض...!؟ هنا على هذه الأرض، كُتبت قصصٌ وحكاياتٌ عن جماعاتٍ كانت ولم تَعُد… وكان آخرها تلك التي أنتمي إليها، عند شاطئ ﭘرفيريون، مدينة الأرجوان… وقد بقي بعض تلك الجماعة، هنا، كما في كلّ دور... بقوا هنا على "رصيف الفتوحات"، يعاينون المكان الذي لم يعد كما كان…!؟ في الحقيقة، ما أن يَكْبُرَ الطفلُ فينا، وتَكْبُرَ معه الأحلام؛ وقبل أن يَبْلُغ سنّ الرشد، تَبْتلعُه الظلمة، فيَهيمُ في بلاد الله الواسعة… تلك حالة مستعادة عرَفَتْها أجيالُنا على مرّ التاريخ.
*
أيها الأصدقاء،
أنا من جيلٍ تَفَتّقَتْ براعمُ وَعْيِه… ذات حزيران من العام ١٩٦٧، يوم وقعت "حرب الأيام الستة"4. وتتالت علينا النكَبات، بعد ذلك، من تدمير طائراتِنا المدنيّة الرابضة في مطار بيروت عام ١٩٦٨، إلى اجتياح العام ١٩٨٢ واحتلال بيروت، مروراً بأحداث ١٩٦٩ و١٩٧٣ بين الجيش اللبناني والفلسطينيّين، وحرب السنتين (١٩٧٥ - ١٩٧٦) وتشعباتِها، ودخول الجيش السوري على أثرِها إلى لبنان… وما تبع ذلك من أحداثٍ مؤلمةٍ فاقَت كلّ التوقّعات… ناهيك بما حدث لنا من نكَبات في العقدين لأخيرين، وصولاً إلى إفقارنا وإذلالنا، قبل أن تُدَمّر بيروت فوق رؤوسنا…!؟ هي أحداثٌ لم تَنْتَهِ فصولاً بعد…!؟ وقد كلّفتنا الكثير، من تهجيرٍ وهجرةٍ وتفكّكٍ مجتمعيٍّ ودمارٍ وضياعٍ بَلَغَ بنا حدّ الوقوع في فوبيا المكان…وإذا أضَفْنا إليها ما عاشه أسلافُنا، من زمن "الفتوحات الإسلاميّة" و"الحملات الصليبيّة"، وصولاً إلى المماليك، ومن ثم العثمانيّين وأحداث القرن التاسع عشر المؤلمة... نكون أمام حكايةِ أعمارٍ، بل أجيالٍ على طريق الجلجلة… وإذا كنّا، نحن المسيحيّين، قِيامِيّين في معتقدنا الإيماني… فهل بمقدورنا أن نكون كذلك في تصوّرنا لمستقبل هذا المشرق المهتوك، والذي تتنازع مِنْ حَوْلِه وفوق أرضه حضاراتٌ وأمم…!؟
*
طبول الحرب تدقّ في مشرقنا الجريح وأسئلة كثيرة تُطرح علينا، وبإلحاح: من سؤال الدين إلى سؤال الوطن مروراً بسؤال القيم ... وتحديداً سؤال الحقيقة والحريّة والعدالة...
سؤال آخر أكثر إلحاحاً: سؤال "لبنان الرسالة"... لبنان الميثاق... لبنان الصيغة.... لبنان العيش الواحد... هل هو فعلاً كذلك أم ماذا...!؟ عندي، أنّ لبنان يبقى في حاجة دائمة إلى تعريف...
لبنان الرسالة...!؟ إذا شئنا... وإذا لم نشأ، فيكون، ربما، "صدفة"، لم تبلغ فعلاً الحالة المجتمعيّة المرجوّة… ولا هي تَقَوْنَنَت في رؤيةٍ دستوريّةٍ أبعد من الإجتهادات والأعراف.. وتبويس اللحى... والمشالحة…!؟ إن ما جرى في العقود الأخيرة يشي بأن لبنان بني على اختلافاتٍ سرعان ما أصبحت خلافات… لترْسُوَ فيما بعد في وجدان الأجيال الصاعدة كقوة خارقة قد تُبْطِل كلّ التعريفات التي أسقطناها عليه...!؟ لقد طمسنا من تاريخنا أحداثاً ونُتوءات… ولم نُجْرِ أيّة مراجعة جدّية لهذا التاريخ… ولا نحن، وللأسف، بنينا دولة… دولة قانون ومؤسسات… وهكذا تحول لبنان إلى مجمّع سكني للقادمين والمارقين والعابرين والطامعين على حساب المعنى الذي أعطي له… هذا المعنى الذي فَقَدَ، وللأسف، في الآونة الأخيرة معناه… وكي لا تكونَ الهجرةُ هي الحل، كما كانت دائماً... نرانا في حاجة ماسّة إلى تشريعات لا إلى تسويات... بل الى قونَنة ما يصْلُح من مواثيق وأعراف... لعلّنا نَخْرُجُ من ضبابيّة الإنتظار إلى فضاء العدالة والحرية والإستقرار...  
وهنا، يحلو لي أن أتْلُوَ على مسامعكم عيّنة من الأسماء التي مرّت في سمائنا كالنيازك التي سرعان ما تنطفئ... أسماءٌ منارات، روّاد تجارب متقدّمة - تفاعَلْتُ معها شخصياً... وأدعو إلى ذلك:
- البطريرك الياس بطرس الحويك، الطوباوي الجديد، "بطريرك لبنان الكبير" وأعماله ورسائله، ولاسيما منها تلك المتعلقة ﺑ"محبّة الوطن"5.
- الأب يواكيم مبارك وخماسيّتَيه: "المسيحيّة الإسلاميّة" و"الأنطاكيّة/ أبعاد مارونيّة"، وحواراتِه، و"مجْمَعُه الماروني"، وأخيراً، "دمعتُه" على لبنان...!؟
- ميشال أسمر و"الندْوة اللبنانيّة"... وفلسفتُها - من ميشال شيحا و"لبنانِه" إلى رينيه حبَشي و"متوسطيّته"... وآخرين).
- الشيخ عبدالله العلايلي وتجربته الإصلاحيّة.
- الإمام موسى الصدر وخطابه الإنساني.
- كمال يوسف الحاج و"فلسفته اللبنانيّة"… و"نصلاميّته".
- المطران جورج خضر ولاهوته الأنيق: من "مسرى طفولته" إلى "نجاواه".
- المطران أنطون حميد موراني و"وجدانه التاريخي"... وتجربة في"كنيسة من أجل عالمنا"... الخ...
*
أُنهي كلمتي بالدعوة إلى أن نستلهم من تاريخنا العريق، بل من أمّهات نصوصنا - وهي كثيرةٌ وغنيّة في شتى المجالات؛ أن نستلهم ما يمكّنُنا من إعادة بناء إنسانِنا، حجرِ الزاوية قي قيام دولتِنا الحديثة وإصلاحِ مجتمعِنا... وذلك لا يمْكِنْه أن يحصَل، ما لم نُجْرِ تلك المراجعة المرجوّة، نُرَسّم بعدَها رؤيَتَنا التربويّة بل فلسفتَنا القِيَمِيّة...
أزعم أني أحبّ لبنان، أحبّه كثيراً. لكني، وبعد استقراء تاريخه بكلّ تجاويفه والمطبّات؛ وبعد استحضار ما علق في وجداني من أمور، وما عشته وأعيشه اليوم في زمن المآسي والنكبات؛ وبعد أن سقطت كلّ العناوين العريضة والشعارات التجميليّة؛ بعد كلّ ذلك، صار بإمكاني أن أزعُم أنّ وطني هو الإنسان… الكائن الذي يشكّل لي، وأكثر من أي وقت مضى، وطناً آمناً تتحّق فيه إنسانيّتي - وفي بَدْءٍ من لبنان، ومعها كلّ المعاني التي دَرَجْتُ على المناداة بها، وعيشِها، رغم كل العِثار.
أيها الأصدقاء،
إن بلداً هذا تاريخه هو دهريّ… وأرضاً هذه سيرتها هي مقدّسة، فلنحافظ عليها… وإن أحداً، ومهما عَظُمَ شأنه وتجبّر، لن يكون باستطاعته أن يمحو حرفاً من حروف التاريخ... ومهما كان، فلبنان باقٍ برسالته ورسوليّته... العدالة آتية... بيروت ستنهض من تحت الركام، كما في كلّ دور... والجنوب سيبقى جنوباً، ولن يصبح يوماً شمال... والشمس ستظلّ تُشْرق من فوق جبالِنا... وتغيبُ من وراء البحار... ليَبْلُغَ الضوءُ كلّ عوالم الإنتشار...!؟          
                    د. ناصيف قزّي الجيّة في 19 تشرين أول/ أوكتوبر 2026.
__________
هوامش
1. يوحنا 1: 1.
2. صور على يد الإسكندر الكبير سنة 330 ق.م.؛ وصيدا على يد ارتحششتا الثالث الفارسي عام 358 ق.م.
3. متّى 15: 21 – 28؛ مرقس 7: 24 – 30.
4. متى 12 – 41.
5. "حرب الأيام الستة" هي الحرب العربيّة الإسرائليّة الثالثة التي عُرفت بحرب "النكسة"... والتي احتلّت خلالها إسرائيل الضفة الغربيّة وقطاع غزّة وهضبة الجولان وصحراء سيناء.
6. "في محبة الوطن"، هي الرسالة الأخيرة للبطريرك الحويك.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
حقوق الطبع 2007 - تيميس.كوم الشرق الاوسط