| محادثات سويسرا أمام أول اختبار كبير: لبنان وهرمز والضغط الإسرائيلي يهددون خارطة الطريق بين واشنطن وطهران |
** لبنان ومضيق هرمز أصبحا منذ اللحظة الأولى الاختبار الحقيقي لقدرة التفاهم الأميركي ـ الإيراني على الصمود أمام ضغوط الحرب...
|
محادثات سويسرا أمام أول اختبار كبير: لبنان وهرمز والضغط الإسرائيلي يهددون خارطة الطريق بين واشنطن وطهران 23/06/2026 سيدني – الميدل ايست الدولية: افتُتحت الجولة الأخيرة من المحادثات الأميركية ـ الإيرانية في سويسرا وسط ضغوط إقليمية شديدة، مع تجدد القتال في لبنان، وتصاعد التوتر حول مضيق هرمز، وظهور تحفظات إسرائيلية تهدد بإضعاف المسار الدبلوماسي الهش قبل أن تتاح له فرصة النضوج. وتأتي هذه المحادثات، التي عُقدت في منتجع بورغنستوك السويسري الفاخر، بعد توقيع مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران عقب ما يقارب أربعين يوماً من القتال، أعقبها وقف هش لإطلاق النار. وبحسب وسطاء من باكستان وقطر، اتفق الجانبان على خارطة طريق تهدف إلى التوصل إلى اتفاق نهائي خلال ستين يوماً، على أن تستمر المحادثات الفنية عبر مجموعات عمل تركز على الملف النووي، ورفع العقوبات، وأمن مضيق هرمز، وآليات منع سوء التقدير والتصعيد.** ** ووصف نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس الاجتماع بأنه خطوة أولى مهمة، قائلاً إن الطرفين وضعا “أساساً جيداً جداً لاتفاق نهائي ناجح”. وشبّه العملية ببناء منزل، حيث وُضعت الأساسات، لكن البناء النهائي لم يكتمل بعد. كما أعلنت واشنطن تعليقاً مؤقتاً للعقوبات المفروضة على النفط الإيراني، بما يسمح لطهران بإنتاج وبيع وتسليم النفط الخام والمنتجات المرتبطة به حتى 21 أغسطس. وربطت وزارة الخزانة الأميركية هذه الخطوة بالتزام إيران بضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وباستعدادها للسماح بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. لكن التفاؤل الذي رافق افتتاح المحادثات سرعان ما طغت عليه التطورات في لبنان. فقد دخل وقف جديد لإطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله حيز التنفيذ في 19 يونيو، إلا أنه انهار خلال ساعات قليلة. وقالت إسرائيل إنها تعرضت لإطلاق نار من حزب الله بعد بدء الهدنة، وردت بضربات داخل الأراضي اللبنانية. وذكرت روايات إسرائيلية أن نحو خمسين قذيفة أُطلقت، ما أدى إلى مقتل جندي إسرائيلي وإصابة آخرين. في المقابل، قدم حزب الله ووسائل إعلام لبنانية حليفة رواية مختلفة، معتبرين أن تجدد الاشتباكات جاء رداً على تحركات إسرائيلية على الأرض. وبغض النظر عن التسلسل الدقيق للأحداث، فإن النتيجة كانت واضحة: وقف إطلاق النار فشل تقريباً فور بدئه. فقد أسفرت الضربات الإسرائيلية في جنوب لبنان بعد دخول الهدنة حيز التنفيذ عن سقوط عدد من القتلى، وكشفت عمق انعدام الثقة بين الطرفين، وأثارت تساؤلات جدية حول إمكانية تثبيت الاستقرار في لبنان بينما تستمر المفاوضات الإقليمية الأوسع. وتكمن أهمية ذلك في أن لبنان لم يعد جبهة عسكرية منفصلة. فقد أصبح مرتبطاً مباشرة بالمسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران. وتتهم طهران إسرائيل بتقويض المحادثات من خلال عملياتها في لبنان، معتبرة أن هذه العمليات تضعف الظروف المطلوبة لتحقيق تقدم جدي مع واشنطن. والخلاصة الأكثر دقة هي أن التحركات العسكرية الإسرائيلية تعقّد المحادثات، وأن إيران تلقي باللوم علناً على إسرائيل في هذا الضغط. أما القول إن إسرائيل تعمل عمداً وبشكل كامل على إفشال المفاوضات، فيبقى اتهاماً وتفسيراً سياسياً أكثر منه حقيقة مثبتة بشكل مستقل. وتُعد الجبهة اللبنانية حساسة بصورة خاصة، لأن حزب الله لا يزال الحليف الإقليمي الأهم لإيران، وأحد أقوى الفاعلين المسلحين في الشرق الأوسط. وأي اتفاق بين واشنطن وطهران يتجاهل مسألة سلاح حزب الله، وحرية الحركة العسكرية الإسرائيلية، وسيادة الدولة اللبنانية، سيكون معرضاً للاهتزاز. وبالنسبة إلى لبنان، يكمن الخطر في أن يتحول مجدداً إلى ساحة اختبار لكل القضايا العالقة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. ** ولاحتواء هذا الخطر، قال الوسطاء إن الأطراف وافقت على إنشاء “خلية تنسيق ومنع اشتباك” تضم الجهات المعنية والسلطات اللبنانية، بهدف منع اندلاع القتال مجدداً. وتهدف هذه الآلية إلى تجنب الحوادث، وتقليل سوء الفهم، والحفاظ على المسار الدبلوماسي الأوسع. غير أن نجاحها سيتوقف على مدى استعداد إسرائيل وحزب الله وإيران والولايات المتحدة لضبط خطواتهم خلال مرحلة شديدة الهشاشة. وقد عبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالفعل عن تحفظات عميقة، مؤكداً أن القوات الإسرائيلية يجب أن تحتفظ “بكامل حرية العمل” لإحباط أي تهديد مباشر أو ناشئ في جنوب لبنان. وهذا الموقف يضع إسرائيل في مواجهة أي صيغة دبلوماسية تتطلب ضبط النفس، خصوصاً إذا كانت هذه الصيغة مرتبطة بتفاهمات أميركية ـ إيرانية. كما يزيد ذلك من تعقيد دور واشنطن، التي تحاول التفاوض مع إيران، وفي الوقت نفسه إدارة المخاوف الأمنية الإسرائيلية ومنع لبنان من الانزلاق مجدداً إلى حرب أوسع. أما الوضع في مضيق هرمز، فقد أضاف طبقة أخرى من الخطورة. إذ أعلنت إيران أنها أغلقت المضيق رداً على الهجمات الإسرائيلية في لبنان وما وصفته بانتهاكات وقف إطلاق النار. في المقابل، شككت الولايات المتحدة في التأثير العملي لهذا الإعلان، وأظهرت بيانات تتبع السفن أن حركة الملاحة لا تزال مستمرة عبر الممر المائي. ومع ذلك، فإن مجرد التهديد بالإغلاق يكفي لإثارة قلق الأسواق العالمية. فمضيق هرمز يبقى أحد أهم ممرات النفط والغاز في العالم، وأي اضطراب فيه قد يحول أزمة إقليمية إلى أزمة اقتصادية عالمية.** وبالنسبة إلى إيران، لا يمثل هرمز ورقة أمنية فحسب، بل ورقة تفاوضية أيضاً. فطهران تبدو مصممة على ربط هذا الممر بأي اتفاق أوسع، خصوصاً في ظل سعيها للحصول على تخفيف للعقوبات، والوصول إلى الأصول المجمدة، وإطلاق مسار لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية. وقد قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن صادرات النفط والبتروكيماويات شملتها الإعفاءات، وإن الحصار رُفع، وبعض الأصول المجمدة أُفرج عنها، وإن خطة كبرى لإعادة الإعمار والتنمية بدأت في إيران. غير أن واشنطن كانت أكثر حذراً، إذ شدد فانس على أن الأصول الإيرانية لم تُفرج بعد، وأنه في حال الإفراج عنها فستُستخدم لأغراض مثل شراء السلع الأميركية، لا لتمويل الإرهاب. ولا يزال الملف النووي يكتنفه الغموض. فقد قال فانس إن طهران وافقت على دعوة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية للعودة إلى البلاد، واصفاً ذلك بأنه إنجاز مهم وخطوة أولى نحو نزع دائم للطابع العسكري عن البرنامج النووي الإيراني. لكن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي قدم توصيفاً أضيق، قائلاً إن نقاشاً قصيراً جداً جرى حول الملف النووي، وإن التفاصيل لم تُبحث بعد. ويُظهر هذا التباين في اللهجة أن كل طرف قد يكون يقدم المحادثات لجمهوره الداخلي بطريقة مختلفة. إن عودة المفتشين ستكون خطوة مهمة، خصوصاً بعد أن علقت طهران بعض أوجه تعاونها وقيّدت الوصول إلى مواقع نووية رئيسية استهدفتها الولايات المتحدة وإسرائيل خلال حرب عام 2025. إلا أن الإشارة المؤقتة لا تعادل اتفاقاً نهائياً. فالاختبار الحقيقي سيكون في مدى سماح إيران برقابة مستمرة، وفي قدرة واشنطن على تقديم تخفيف تدريجي للعقوبات يكون مقبولاً سياسياً في الداخل الأميركي وذا صدقية بالنسبة إلى طهران.** ولا يمكن فصل الكلفة البشرية والاقتصادية في لبنان عن هذا المسار الدبلوماسي. فقد تجاوز عدد القتلى الإجمالي في القتال في لبنان 4100 قتيل، بحسب وزارة الصحة. كما قدّرت دراسة صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان الأضرار التي لحقت بالمباني في جنوب لبنان بنحو 1.38 مليار دولار. وتعكس هذه الأرقام الثمن الباهظ الذي يواصل لبنان دفعه كساحة مواجهة إقليمية. لذلك ستكون الأيام المقبلة حاسمة. فإذا أمكن ترميم وقف إطلاق النار في لبنان، وبقي مضيق هرمز مفتوحاً، فقد تكتسب محادثات سويسرا زخماً إضافياً. أما إذا استمرت العمليات الإسرائيلية، ورد حزب الله، أو صعّدت إيران في الخليج، فقد تنهار خارطة الطريق الدبلوماسية قبل أن تصل المفاوضات الفنية إلى مرحلة جدية. في المحصلة، يمثل اجتماع سويسرا فرصة وتحذيراً في آن واحد. الفرصة تكمن في إمكانية التوصل إلى اتفاق منظم بين الولايات المتحدة وإيران يشمل العقوبات، والتفتيش النووي، وخفض التصعيد الإقليمي، وأمن الملاحة. أما التحذير فهو أن أي اتفاق لن يستطيع الصمود إذا ظل لبنان مشتعلاً، وإذا استُخدم مضيق هرمز مراراً كورقة ضغط. الخلاصة الأقوى أن الدبلوماسية بدأت، لكنها تخضع منذ اللحظة الأولى لاختبار الحرب. فالإجراءات الإسرائيلية في لبنان تعقّد المسار، وإيران تستخدم هذه الإجراءات لزيادة الضغط، وواشنطن تحاول الحفاظ على إطار هش يعتمد على ضبط النفس من أطراف لا تثق ببعضها بالكامل. وفي هذا المناخ، لا تتعلق محادثات سويسرا بإيران والولايات المتحدة فقط، بل بما إذا كانت المنطقة قادرة على التراجع عن حافة الانفجار قبل أن تشعل جبهة واحدة كل الجبهات الأخرى. |