| لعبة واشنطن المزدوجة: إيران تعود إلى الطاولة الإقليمية ولبنان يبقى تحت النار |
** الاختبار الحقيقي للاتفاق لن يكون في التواقيع الإلكترونية بين رئيسين. بل سيكون في ما إذا كانت المدافع ستصمت في جنوب لبنان وبيروت،
|
لعبة واشنطن المزدوجة: إيران تعود إلى الطاولة الإقليمية ولبنان يبقى تحت النار 18/06/2026 سيدني – الميدل ايست تايمز الدولية: فتح التفاهم الناشئ بين الولايات المتحدة وإيران واحداً من أكثر الفصول تعقيداً وإثارة للجدل في المشهد السياسي الحديث في الشرق الأوسط. فللوهلة الأولى، يبدو المشهد متناقضاً، وربما مربكاً. فمن جهة، تبدو واشنطن وكأنها تتحرك نحو ترتيب لوقف إطلاق النار مع طهران، بما يفتح الباب أمام مفاوضات، واحتمال تخفيف العقوبات، وتمويل إعادة الإعمار، وتجديد الانخراط الاقتصادي. ومن جهة أخرى، تواصل إسرائيل حملتها العسكرية ضد حزب الله في جنوب لبنان، في حين يبقى حزب الله أحد أهم الحلفاء الإقليميين لإيران. وهنا يبرز السؤال المركزي: كيف يمكن للولايات المتحدة أن تسعى إلى اتفاق مع إيران، بينما تسمح، أو على الأقل تعجز عن وقف، حملة عسكرية تستهدف أقوى حلفاء إيران في لبنان؟
تكمن الإجابة في الطريقة التي تحاول بها واشنطن فصل أزمات المنطقة إلى ملفات مختلفة. فالولايات المتحدة تبدو وكأنها تتعامل مع الملف النووي، ومضيق هرمز، وتدفق النفط، وخطر اندلاع حرب إقليمية أوسع، باعتبارها أولويات عاجلة. أما لبنان وحزب الله، فيبقيان ضمن ملف أمني منفصل وغير محسوم، وهو ملف ترفض إسرائيل أن تضعه بالكامل تحت سقف التفاوض الأميركي ـ الإيراني. ولهذا، فإن اللحظة الراهنة مهمة وخطيرة في آن واحد. فقد يؤدي تفاهم وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران إلى تهدئة جبهة واحدة، لكنه لا يعني تلقائياً تهدئة الجبهات الأخرى. بل قد يزيد الضغط على لبنان، إذا اعتقدت إسرائيل أن عليها التصرف بمزيد من العدوانية قبل أن تستعيد إيران قوتها السياسية والاقتصادية. وبحسب المعطيات المتوافرة، فقد وُقّع الاتفاق بين الرئيس دونالد ترامب والجانب الإيراني إلكترونياً وخلف أبواب مغلقة، من دون المراسم العلنية التي ترافق عادة تطوراً دبلوماسياً بهذا الحجم. وهذا أمر غير مألوف بالنسبة إلى رئيس غالباً ما يقدم نفسه باعتباره صانع سلام، ويميل تقليدياً إلى إظهار صور بارزة للنجاحات الدبلوماسية. إن الطابع الهادئ للتوقيع يوحي بأن واشنطن تدرك الحساسية السياسية للاتفاق، والانتقادات التي قد يثيرها في الداخل والخارج. ويبدو سبب هذا الحذر واضحاً. فمذكرة التفاهم لا تبدو وكأنها تمثل تسوية نهائية، بل إطاراً يهدف إلى وقف الانزلاق الفوري نحو حرب أوسع، وإعادة فتح القنوات الاقتصادية، وتأجيل الخلافات الأصعب إلى مفاوضات لاحقة. من الناحية السياسية، قد يكون هذا الأمر عملياً. أما من الناحية الاستراتيجية، فهو محفوف بالمخاطر. فالاتفاق، كما ترد تفاصيله في المعطيات المتاحة، يتضمن فترة تفاوض تمتد ستين يوماً حول قضايا حساسة، ويفتح في الوقت نفسه الباب أمام مكاسب اقتصادية لإيران، بما في ذلك احتمال إنشاء صندوق ضخم لإعادة الإعمار. ولهذا السبب، يصفه منتقدون بأنه تراجع من جانب واشنطن. فهم يرون أن إيران قد تحصل على تخفيف اقتصادي قبل أن تقدم ضمانات نهائية بشأن برنامجها النووي، أو قدراتها الصاروخية، أو نفوذها الإقليمي. ** وهنا يصبح التناقض الظاهر أكثر وضوحاً. فقد يكون الرئيس ترامب يسعى إلى إنهاء المواجهة المباشرة مع إيران لأن كلفة استمرار الحرب أصبحت مرتفعة جداً، اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً. فمضيق هرمز، وأسواق النفط العالمية، والخسائر الأميركية، وعدم الاستقرار الإقليمي، والضغوط السياسية الداخلية، كلها عوامل تخلق حوافز قوية أمام واشنطن للبحث عن مخرج. لكن إنهاء المواجهة المباشرة مع إيران لا يعني أن الولايات المتحدة قد عالجت الدور الإقليمي لإيران. إنه يعني فقط أن واشنطن اختارت تجميد أزمة واحدة، بينما تركت أزمات أخرى من دون حل. ولبنان يقف اليوم في قلب هذا التناقض غير المحسوم. إن حملة إسرائيل ضد حزب الله في جنوب لبنان ليست مسألة جانبية بسيطة. فهي مرتبطة مباشرة باستراتيجية إيران الإقليمية. فحزب الله ليس مجرد حركة سياسية وعسكرية لبنانية؛ بل هو أيضاً ركيزة أساسية من ركائز النفوذ الإقليمي الإيراني. وبالنسبة إلى إسرائيل، يمثل حزب الله تهديداً دائماً على حدودها الشمالية. وبالنسبة إلى إيران، يمثل حزب الله قوة ردع، وورقة ضغط، وعمقاً استراتيجياً. أما بالنسبة إلى لبنان، فإن النتائج كارثية: تصعيد عسكري، شلل سياسي، خوف اقتصادي، نزوح، وخطر دائم بدمار أوسع. ويبدو أن موقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يقوم على أن إسرائيل غير ملزمة بأي اتفاق يوقّع بين واشنطن وطهران. وبما أن إسرائيل ليست طرفاً موقعاً على مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية، يستطيع نتنياهو أن يجادل بأن إسرائيل تحتفظ بحرية كاملة في التحرك ضد حزب الله. وهذا ما يخلق أكبر تهديد لنجاح الاتفاق. فإذا واصلت إسرائيل قصف جنوب لبنان وبيروت، فقد تواجه إيران ضغوطاً للرد بشكل مباشر أو غير مباشر. وإذا صعّد حزب الله، فقد ينهار مناخ وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران. وإذا حاولت واشنطن كبح إسرائيل بقوة، فإنها تخاطر بصدام كبير مع أقرب حلفائها الإقليميين. ** ولهذا، فإن السؤال حول قدرة الرئيس ترامب على الضغط على نتنياهو يكتسب أهمية كبرى. فالمسألة ليست عسكرية فقط، بل سياسية أيضاً. لا يستطيع نتنياهو أن يظهر بسهولة وكأنه يتلقى أوامر من واشنطن، خاصة إذا كان يعتقد أن حزب الله لا يزال يشكل تهديداً مباشراً. وفي الوقت نفسه، لا يستطيع ترامب أن يقدم نفسه مهندساً لاتفاق سلام تاريخي إذا استمرت إسرائيل في عمليات عسكرية تقوض المنطق الإقليمي للاتفاق، وربما قد تخلق أزمة لبنان قضية اضافية لقضية فلسطين في الشرق الاوسط وفي العالم. وهناك طبقة أخرى من التناقض تتمثل في ما نُقل عن الرئيس ترامب من اقتراح بأن يؤدي الرئيس السوري أحمد الشرع دوراً في مواجهة حزب الله داخل لبنان. للوهلة الأولى، يبدو هذا الأمر صعب التوفيق مع تحرك واشنطن المتزامن نحو تفاهم لوقف إطلاق النار مع طهران. فإذا كانت إيران تُعاد إلى طاولة المفاوضات لاعباً إقليمياً، فكيف يمكن لواشنطن، في الوقت نفسه، أن تشجع الضغط على أقوى حلفائها اللبنانيين عبر سوريا؟ قد تكون الإجابة أن ترامب يحاول الفصل بين إيران كدولة تفاوضية، وحزب الله كفاعل إقليمي مسلح. بمعنى آخر، قد تكون واشنطن مستعدة للتعامل مع طهران في الملفات النووية والنفطية والبحرية، بينما تواصل في الوقت نفسه محاولة إضعاف النفوذ العسكري الإيراني في لبنان. لكن هذه الاستراتيجية شديدة الخطورة. فطلب دخول سوريا إلى المعادلة اللبنانية يوقظ ذكريات تاريخية مؤلمة عن التدخل السوري في لبنان، وقد يثير التوترات الطائفية بدلاً من حلها. كما أنه يعقّد قدرة ترامب على الضغط على نتنياهو؛ فإذا كانت واشنطن تطلب من سوريا التحرك ضد حزب الله، فقد تجادل إسرائيل بأن حملتها العسكرية تبقى مبررة إلى أن يتم إضعاف الحزب. ونتيجة لذلك، فإن تضارب المصالح هذا لا يجعل الضغط على نتنياهو مستحيلاً، لكنه يجعله بالتأكيد أكثر صعوبة وحساسية وأقل وضوحاً. لذلك، فإن التناقض لا يقوم فقط بين واشنطن وطهران، بل داخل الاستراتيجية الأميركية نفسها: التفاوض مع إيران على جبهة، ومحاولة احتواء حلفاء إيران على جبهة أخرى. ومن ثم، فإن نجاح الترتيب الأميركي ـ الإيراني قد لا يعتمد فقط على سلوك طهران، بل أيضاً على استعداد إسرائيل للحد من حملتها في لبنان. وهذا أساس هش للغاية. وتشير المعطيات أيضاً إلى أن لغة الرئيس ترامب العلنية تجاه إيران شهدت تحولاً كبيراً. فقبل أيام فقط، كان قادة إيران يوصفون بعبارات عدائية. لكن في تصريحات لاحقة، بدا ترامب وكأنه يصفهم بالأذكياء والعمليين، بل أشار إلى أن دولاً أخرى تمتلك أيضاً برامج نووية مدنية وقدرات صاروخية. وقد أثارت هذه التصريحات قلقاً لدى أعضاء في الكونغرس ومراقبين في السياسة الخارجية، الذين يتساءلون عما تغير فعلاً، وماذا حققت الحرب. ولهذا التحول في اللغة أهمية كبرى. ففي الدبلوماسية، الكلمات ليست تفصيلاً عابراً. عندما ينتقل رئيس أميركي من المواجهة إلى الإشادة، ومن الضغط إلى التفاوض، ومن العقوبات إلى نقاشات إعادة الإعمار، فإن ذلك يشير إلى إعادة ضبط استراتيجية. وهو يوحي بأن واشنطن ربما خلصت إلى أن إيران لا يمكن هزيمتها أو عزلها من دون كلفة غير مقبولة. وبدلاً من ذلك، يجب إدارتها واحتواؤها وإدخالها في إطار يخفف التهديدات الفورية للطاقة العالمية والمصالح الأميركية. لكن هذا النهج يحمل ثمناً باهظاً. فقد تراه بعض الدول الحليفة في المنطقة مكافأة لإيران بعد مواجهة مكلفة. كما قد يثير قلق دول الخليج التي دفعت ثمناً كبيراً خلال الصراع، وتخشى الآن أن يتم المساس بأمنها بقرارات تُتخذ في واشنطن من دون إنذار كافٍ. وتشير المعطيات إلى هشاشة دول الشرق الأوسط خلال الحرب، وإلى الأضرار التي تسببت بها الصواريخ الباليستية رغم وجود أنظمة دفاع متقدمة. وهذا أحد أهم الدروس الاستراتيجية للأزمة. فقد أثبتت الحرب أن حتى أنظمة الدفاع الصاروخي القوية لا تستطيع توفير حماية كاملة. بعض الصواريخ تصل إلى أهدافها. البنى التحتية يمكن أن تتضرر. مرافق الطاقة يمكن أن تتعطل. والدول التي تعتمد بشكل كبير على الحماية الأميركية قد تكتشف أن قرارات واشنطن تحركها أولاً المصالح الأميركية، وليس دائماً مخاوف شركائها الإقليميين. ويشكل مضيق هرمز قضية مركزية أخرى. فقد أوضحت المعطيات كيف أن قدرة إيران على تعطيل أو تهديد حركة الملاحة عبر المضيق غيّرت التوازن الاستراتيجي. وحتى لو وُضع عدد محدود فقط من الألغام، فإن التأثير النفسي والاقتصادي كان هائلاً. فقد تباطأت حركة الملاحة، وتفاعلت أسواق الطاقة، وتذكّر العالم أن إيران لا تزال تمتلك ورقة ضغط قوية على أحد أهم الممرات المائية في العالم. وقد تبدو عبارة “دعوا النفط يتدفق” بسيطة، لكن إعادة فتح مضيق هرمز ليست مسألة تقنية فقط. فهي تتطلب ضمانات أمنية، وعمليات إزالة ألغام، ومرافقة عسكرية، وتنسيقاً إقليمياً، وثقة سياسية. وحتى بعد إعادة فتح الممر المائي، يبقى الدرس قائماً: لقد أظهرت إيران أنها قادرة على تهديد حركة الطاقة العالمية عندما تختار ذلك. ومن الصعب إعادة هذا “المارد” إلى القمقم. وبالنسبة إلى دول الخليج، من المرجح أن يؤدي ذلك إلى تسريع الجهود الرامية إلى تقليل الاعتماد على مضيق هرمز. فقد استثمرت السعودية بالفعل في طرق بديلة إلى البحر الأحمر. وقد تكثف دول خليجية أخرى الآن خططها لبناء خطوط أنابيب وموانئ وطرق تصدير للطاقة تتجاوز المضيق. سيتطلب ذلك استثمارات هائلة، لكن المنطق الاستراتيجي واضح: لا تريد أي دولة أن يبقى اقتصادها الوطني رهينة ممر بحري ضيق معرض للصراع. ومع ذلك، فإن البنية التحتية وحدها لن تحل المشكلة. فالسؤال الأعمق هو الأمن. فإذا احتفظت إيران بالصواريخ والوكلاء والنفوذ البحري، وإذا كانت واشنطن مستعدة للتفاوض تحت الضغط، فإن دول المنطقة ستبدأ بإعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية الطويلة الأمد. قد يعمّق بعضها التعاون مع الولايات المتحدة. وقد ينوع بعضها الآخر شراكاته. وقد يسعى آخرون إلى امتلاك قدرات دفاعية أكثر استقلالية. لقد كشفت الأزمة حدود الافتراضات القديمة. أما بالنسبة إلى المملكة المتحدة وقوى غربية أخرى، فإن التداعيات خطيرة أيضاً. وتشير المعطيات إلى أن بريطانيا لا تمتلك بنية دفاع صاروخي مكتملة، وأن التهديد الروسي أكثر تقدماً بكثير من التهديد الإيراني. فإذا كانت الصواريخ الإيرانية قد كشفت نقاط ضعف في الشرق الأوسط، فإن الصواريخ الروسية تمثل تحدياً أكبر بكثير لأوروبا. وبذلك، فإن الإطار الأميركي ـ الإيراني ليس حدثاً شرق أوسطياً فقط. إنه أيضاً إنذار عالمي بشأن حرب الصواريخ، وأمن الطاقة، وموثوقية التحالفات، وحدود الردع. ومع ذلك، يبقى لبنان نقطة الاشتعال الفورية. فإذا واصل نتنياهو العمليات في جنوب لبنان وبيروت، فإن اتفاق ترامب مع إيران سيواجه اختباراً قاسياً. قد لا ترغب إيران في العودة إلى حرب مباشرة، خصوصاً إذا كانت ستجني مكاسب اقتصادية من الاتفاق. لكن إيران لا تستطيع بسهولة التخلي عن حزب الله من دون إضعاف موقعها الإقليمي بأكمله. وحزب الله، من جانبه، لا يستطيع أن يبدو ساكناً إذا واصلت إسرائيل هجماتها. أما الحكومة اللبنانية، وهي أصلاً تحت ضغط هائل، فقد تجد نفسها عاجزة عن السيطرة على الأحداث داخل أراضيها. وهنا تكمن مأساة موقع لبنان. فالبلد غالباً ما يُعامل كساحة معركة للآخرين. تُتخذ القرارات في واشنطن وطهران وتل أبيب وعواصم أخرى، بينما يدفع المدنيون اللبنانيون الثمن. ولذلك، فإن أي تسوية إقليمية جدية يجب أن تشمل سيادة لبنان وأمنه واستقراره. فاتفاق يتجاهل لبنان قد يوقف حرباً واحدة مؤقتاً، لكنه لن يصنع سلاماً. ** والسؤال الحقيقي هو ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لرسم خط واضح. هل تستطيع واشنطن أن تقول لإسرائيل إن استمرار التصعيد في لبنان يهدد بتدمير الاتفاق الأوسع؟ هل يستطيع ترامب الضغط على نتنياهو من دون أن يبدو وكأنه يتخلى عن إسرائيل؟ هل يستطيع إقناع إيران بأن حزب الله يجب ألا يستخدم لبنان منصة لمواجهة متجددة؟ هل يستطيع دعم الدولة اللبنانية بطريقة تقوي مؤسساتها الوطنية، بدلاً من ترك البلاد عالقة بين الضربات الإسرائيلية، وسلاح حزب الله، والحسابات الإقليمية؟ هذه ليست أسئلة سهلة. لكن من دون إجابات، قد يبقى الاتفاق الأميركي ـ الإيراني ناقصاً. إذن، فالتناقض ليس عرضياً. إنه يعكس واقع السياسة الأميركية في المنطقة. تحاول واشنطن تحقيق عدة أهداف في وقت واحد: تجنب حرب أوسع، إعادة تدفق النفط، منع التصعيد النووي، حماية إسرائيل، احتواء إيران، طمأنة الشركاء الخليجيين، وتفادي أضرار سياسية داخلية. هذه الأهداف لا تنسجم دائماً. وأحياناً تتصادم مباشرة. قد يهدئ وقف إطلاق النار مع إيران الأسواق، ويخفض خطر اندلاع حرب إقليمية فورية. لكن إذا بقي حزب الله خارج الإطار، واستمرت إسرائيل في حملتها، فقد يصبح لبنان المكان الذي يُختبر فيه الاتفاق — وربما يُكسر فيه. ولهذا، ستكون الأسابيع المقبلة حاسمة. قد توفر فترة التفاوض الممتدة ستين يوماً نافذة دبلوماسية، لكن النوافذ قد تُغلق بسرعة. فأي ضربة كبيرة في لبنان، أو أي رد من حزب الله، أو أي هجوم على طرق الملاحة، أو أي أزمة سياسية في إسرائيل أو واشنطن، قد يحوّل الاتفاق من اختراق دبلوماسي إلى تجربة فاشلة. وبالنسبة إلى ترامب، فإن التحدي واضح. يستطيع أن يدعي أنه أنهى حرباً واحدة فقط إذا نجح في منع الصراعات المرتبطة بها من إعادة إشعالها. ويستطيع أن يقدم نفسه صانع سلام فقط إذا أنتج الاتفاق استقراراً يتجاوز الالتزامات الورقية. ويستطيع أن يجادل بأن الانخراط مع إيران ضروري فقط إذا تمت معالجة سلوك إيران الإقليمي أيضاً. أما بالنسبة إلى نتنياهو، فالتحدي مختلف. عليه أن يقرر ما إذا كانت الحملة الأمنية الإسرائيلية الفورية ضد حزب الله تستحق المخاطرة بترتيب دبلوماسي أوسع تدعمه واشنطن. فإذا واصل من دون حدود، فقد يضعف قدرة ترامب على الحفاظ على الاتفاق. وإذا أوقف العمليات أو خففها، فقد يواجه انتقادات داخلية بسبب السماح لحزب الله بإعادة تجميع صفوفه. وبالنسبة إلى إيران، يوفر الاتفاق فرصة وخطراً في آن واحد. فقد يعزز التخفيف الاقتصادي والاعتراف الدبلوماسي موقع طهران. لكن إذا بالغت إيران في استخدام أوراقها — عبر حزب الله، أو الصواريخ، أو الضغط على هرمز — فقد تستفز مواجهة جديدة. أما بالنسبة إلى سوريا، فإن أي دور لها في لبنان سيحمل أخطاراً خاصة به. قد ترى دمشق فرصة لاستعادة حضورها الإقليمي بعد سنوات من العزلة والصراع الداخلي، لكن أي تدخل عسكري سوري في لبنان سيعيد إلى الذاكرة تجارب لم تنسها جماعات لبنانية كثيرة. وحتى إذا رأت واشنطن في سوريا قوة مفيدة لموازنة حزب الله، فقد يرى لبنان في هذه الخطوة تهديداً لسيادته لا حلاً لأزمته الأمنية. أما بالنسبة إلى لبنان، فالرهانات وجودية. فالبلد يحتاج إلى الاستقرار والسيادة والتخلص من كونه ساحة للصراع الإقليمي. لكنه لا يزال عالقاً بين حزب الله المسلح، والضغط العسكري الإسرائيلي، والنفوذ الإيراني، واحتمال تدخل سوري، ودبلوماسية أميركية غير مؤكدة. وستكشف المرحلة المقبلة ما إذا كان الاتفاق الأميركي ـ الإيراني خطوة حقيقية نحو خفض التصعيد، أم مجرد استراحة مؤقتة قبل الانفجار التالي. إن حقيقة توقيع الاتفاق بهدوء، ومن دون احتفال، قد تكون بحد ذاتها أقوى دليل على هشاشته. فالإنجازات الدبلوماسية الكبرى تُعرض عادة بفخر. أما التسويات الهشة، فغالباً ما تُخفى خلف الأبواب المغلقة. في النهاية، يمكن تفسير التناقض الظاهر بحقيقة واحدة: واشنطن لا تصنع سلاماً مع المنطقة بأكملها. إنها تحاول إدارة أزمات منفصلة واحدة تلو الأخرى. لكن الشرق الأوسط لا يسمح دائماً ببقاء الأزمات منفصلة. فإيران، وحزب الله، ولبنان، وإسرائيل، وسوريا، والخليج، ومضيق هرمز، كلها ملفات مترابطة. والنار في ساحة واحدة قد تشعل سريعاً ساحة أخرى. لذلك، فإن الاختبار الحقيقي للاتفاق لن يكون في التواقيع الإلكترونية بين رئيسين. بل سيكون في ما إذا كانت المدافع ستصمت في جنوب لبنان وبيروت، وما إذا كان مضيق هرمز سيبقى مفتوحاً، وما إذا كانت إيران ستقبل بقيود حقيقية، وما إذا كانت إسرائيل ستقبل بضبط النفس، وما إذا كانت سوريا ستبقى خارج ساحة الصراع الداخلي اللبناني، وما إذا كان سيُسمح للبنان بأن يتنفس. وحتى ذلك الحين، لا يبقى الاتفاق سلاماً نهائياً، بل مقامرة خطيرة.
|