لبنان على مفترق طرق: أكاديمي صريح ومحلّل يعبّر عن صرخة شعبٍ يطالب بالسيادة

**
د. صالح المشنوق: "يُعامل خمسة ملايين لبناني
كبيادق في صراع إقليمي على النفوذ."
 **
د. صالح المشنوق: "عندما تسيطر الميليشيات على
السلاح، يدفع لبنان الثمن بالدماء والدمار." 
**
د. صالح المشنوق: "لسنا ساحة معركة للطموحات
الإقليمية؛ نحن أمة تريد أن تعيش."



لبنان على مفترق طرق: أكاديمي صريح ومحلّل يعبّر عن صرخة شعبٍ يطالب بالسيادة
29/03/2026
سيدني - الميدل ايست تايمز الدولية:
مع تصاعد حدة الحرب في الشرق الأوسط، يُجرّ لبنان مجدداً إلى صراعٍ لم يختره. فمنذ مطلع مارس/آذار، أسفرت الغارات الإسرائيلية عن مقتل أكثر من ألف شخص في لبنان، وإصابة الآلاف، وتشريد أكثر من مليون مدني، وفقاً للسلطات الصحية اللبنانية، في ظلّ اشتداد القتال مع حزب الله وتصاعد التوترات الإقليمية الأوسع نطاقاً التي تشمل إيران. وفي حديثه على أحد البرامج الإذاعية غير الخاضع للرقابة" في 25 مارس/آذار، قدّم الأكاديمي اللبناني د. صالح المشنوق وصفاً صريحاً لبلدٍ أنهكته الحرب.

وجّه الدكتور صالح المشنوق، الأستاذ بجامعة القديس يوسف في بيروت، رسالةً مؤثرةً وصادقةً مفادها أن الشعب اللبناني يرفض الميليشيات والحروب بالوكالة والمواعظ الأخلاقية، ولا يريد سوى السيادة والأمان والحق في الحياة.
وقال المشنوق للمذيع البارز: "هذه ليست حرب لبنان، ولم تكن كذلك قط"، متجاوزًا الخطاب الجيوسياسي الذي غالبًا ما يُحيط بالبلاد. "على مدى 57 عامًا، زُجّ لبنان في صراعاتٍ رغماً عن إرادة شعبه".
ويبدو أن المشنوق قد سلّط الضوء على قضيةٍ غالبًا ما يتم تجاهلها في النقاش العالمي: تهميش المدنيين اللبنانيين العاديين، وتجاهل معاناتهم الإنسانية بينما تُحدّد قوى خارجية مصير لبنان.
وأضاف لمورغان: "ما غاب عن الأنظار في الأسابيع الثلاثة الماضية هو ما يحدث في لبنان. يُعامل خمسة ملايين منا إما كبيانات، من قِبل من يُحصون الضحايا، أو كنتيجة طبيعية لحربٍ أيديولوجيةٍ يشنها طرفٌ آخر".
انطلاقًا من تجربته الشخصية، شدد المشنوق على الخسائر الفادحة التي تتكبدها الأجيال جراء الصراع. وقال: "أبلغ من العمر 42 عامًا الآن. هذه هي الحرب السادسة في حياتي. لذا، أود أن أقول، مستغلًا منصتكم، إننا قد وضعنا حدًا نهائيًا لاستخدام أرضنا في حروب بالوكالة".
وأكد أن موقفه يحظى بتأييد واسع: "عندما أقول نحن، فأنا لا أتحدث باسمي فقط، بل باسم ملايين اللبنانيين، أغلبية ساحقة، الذين يرفضون الانجرار إلى هذا الصراع".
ولدعم حجته، استشهد المشنوق ببيانات استطلاع رأي أجرته مؤسسة غالوب في لبنان. ووفقًا للاستطلاع، يعتقد 79% من اللبنانيين المستطلعة آراؤهم أن الجيش اللبناني هو الجهة الوحيدة التي يجب أن يُسمح لها بحمل السلاح، بينما يعارض ذلك 19% فقط. والأكثر إثارة للدهشة، أنه عندما سُئلوا عما إذا كان ينبغي للبنان الدخول في صراع عسكري مع إسرائيل دعمًا لقضايا إقليمية أخرى، أجاب 86% بالنفي.
واختتم حديثه قائلًا: "رسالتنا اليوم واضحة جدًا للعالم: هذه ليست حربنا".
رفض المشنوق بشكل قاطع اعتبار الأزمة حربًا بين لبنان وإسرائيل، مصرًا على أن "هذه ليست حربًا بين لبنان وإسرائيل. لا توجد حرب بين الدولة اللبنانية وإسرائيل. إنها حرب بالوكالة يخوضها الحرس الثوري الإيراني ووكيله حزب الله على الأراضي اللبنانية".
وفي روايته، لا يقتصر دور لبنان على كونه شريكًا استراتيجيًا أو طرفًا أيديولوجيًا، بل هو أشبه بدور الرهينة. وقال: "نحن جميعًا، خمسة ملايين نسمة، مجرد بيادق ورهائن، للمرة المليون، في هذه المعادلة الإقليمية".
وانتقد الأكاديمي التعليقات الأخلاقية القادمة من الخارج، قائلًا: "نسمع باستمرار من الغرب محاضرات عن المقاومة والعدوان. عندما أطلق حزب الله صواريخ في الثاني من مارس، أرسلت إيران لهم رسالة شكر على دخولهم الحرب، رغم وجود "عقبات محلية" - الشعب اللبناني".
وأكد أن المدنيين اللبنانيين لم يجنوا سوى الدمار. وتساءل: "ماذا جنينا؟ أكثر من مليون نازح، وأكثر من ألف قتيل، ومنازل مدمرة في جميع أنحاء البلاد، وخسائر بمليارات الدولارات".
وجّه المشنوق انتقادات لاذعة للمنظّرين السياسيين والإعلاميين الغربيين، متهمًا إياهم بتجميل العنف مع تجاهل عواقبه.

قال: "لا يقتصر الأمر على القنابل، بل نتلقى أيضًا محاضرات. يستغلّ المحللون والمثقفون في الغرب معاناتنا لإشباع أوهامهم الأيديولوجية".
ازدادت لهجته حدةً مع تقدّم المقابلة. وسأل مباشرةً، مخاطبًا شخصياتٍ تُعلّق بانتظام على لبنان من على بُعد آلاف الكيلومترات: "كم من اللبنانيين يجب أن يموتوا لإشباع نزعاتكم الأيديولوجية؟ كم؟ يُلقي هؤلاء الناس مواعظهم وكأننا أطفالٌ عاجزون عن تقرير مصيرنا. كفى! اتركونا وشأننا".
وأكّد أن التطرّف الأيديولوجي يُغذي بعضه بعضًا، ويقضي على الاعتدال ومصالح المدنيين. وقال: "هؤلاء المنظّرون هم الحلفاء الطبيعيون لأسوأ عناصر المجتمع الإسرائيلي. منذ تسعينيات القرن الماضي، يخوض حزب الله واليمين المتطرف الإسرائيلي معارك على حساب هذه المنطقة، وخاصةً لبنان".
كان جوهر حجة المشنوق هو رفض الجماعات المسلحة التي تعمل خارج البلاد.
كان جوهر حجة المشنوق رفضه للجماعات المسلحة العاملة خارج سلطة الدولة. قال: "عندما تسيطر الميليشيات على الأسلحة، يدفع لبنان الثمن بالدماء والدمار. الشعب اللبناني يريد شيئًا واحدًا: دولة تحتكر السلاح".
ورفض الدعوات الموجهة للجيش اللبناني للتحالف مع حزب الله ضد إسرائيل، واصفًا إياها بـ"الحمقاء" و"المخزية". وأضاف: "هذا ليس مخزيًا فحسب، بل هو أيضًا يأتي بنتائج عكسية. وعلى عكسهم، أعتمد على الحقائق والبحوث والتاريخ لإثبات وجهة نظري".
وبعد ذلك، قدّم المشنوق أحد أكثر أجزاء المقابلة تفصيلًا، حيث عرض مقارنة تاريخية تهدف إلى دحض الادعاء بأن "المقاومة" المسلحة قد حمت لبنان. وبالإشارة إلى الفترة بين هدنة عام 1949 وعام 1969، حين كانت الميليشيات غائبة إلى حد كبير عن جنوب لبنان، أوضح المشنوق أن إسرائيل انتهكت السيادة اللبنانية 82 مرة على مدى 20 عامًا. سأل: "هل تعلم كم عدد اللبنانيين الذين لقوا حتفهم في تلك الفترة؟" فأجاب: "خمسة عشر".
ثم تابع: "خلال عشرين عامًا، أُصيب ستة عشر شخصًا. لماذا؟ لأنه لم تكن هناك ميليشيات في جنوب لبنان، وكانت الدولة تحتكر السلاح". وعلى النقيض من ذلك، قال إن الفترة من عام 2006 إلى عام 2026، التي غالبًا ما يصورها أنصار حزب الله على أنها حقبة مقاومة فعّالة، تروي قصة أكثر قتامة. "في تلك الفترة المماثلة، قُتل 6152 لبنانيًا، وأُصيب 2356. وبلغت انتهاكات إسرائيل للسيادة اللبنانية 62150 انتهاكًا".
وأضاف: "هذا يعني زيادة قدرها 410 أضعاف في عدد القتلى، وزيادة قدرها 756 ضعفًا في عدد الانتهاكات. الأرقام واضحة".
كما شكك المشنوق في مزاعم التوسع الإسرائيلي في لبنان، مستشهدًا بحقائق تاريخية وقانونية قال إنها تُتجاهل بشكل روتيني. وأشار إلى أنه "بموجب تصديق الأمين العام للأمم المتحدة في أبريل/نيسان 2000، انسحبت إسرائيل من كل شبر من الأراضي اللبنانية".
قارن ذلك بالوضع الراهن قائلاً: "اليوم، وبسبب ما يُسمى بحروب التحرير، لم يعد حوالي 25% من أراضينا تحت سيطرة الدولة". وكان استنتاجه واضحاً: "نحن نعرف تاريخنا. لسنا بحاجة إلى أيديولوجيين يحثوننا على دعم ميليشيا طائفية غير شرعية. يجب أن نقف مع جيشنا، ونستعيد السيادة اللبنانية، وندع شعبنا يعيش".
في نهاية المقابلة، ضغط المذيع البارز على المشنوق ليسأله عما إذا كان العمل ضد إيران قد يُفيد لبنان في نهاية المطاف. أجاب المشنوق بحذر، مُفرقاً بين التقييم التحليلي والمصلحة الوطنية. قال: "كمحلل، أقول نعم، لم ترَ المنطقة من الحرس الثوري الإيراني شيئاً سوى الاغتيالات والتطرف والحرب التي لا تنتهي. لكن همّي الرئيسي ليس تأييد أو معارضة حرب على إيران، بل لبنان".
واختتم حديثه بنداء شخصي مؤثر، مزج فيه بين الإنجليزية والعربية، قائلاً: "لسنا ساحة معركة للطموحات الإقليمية. نحن أمة تريد أن تعيش".



 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
حقوق الطبع 2007 - تيميس.كوم الشرق الاوسط