| الخليج أمام اختبار التحالف الأميركي: من يحمي الحلفاء حين تتحول القواعد إلى أهداف؟ |
** «دول الخليج ليست أمام خيار التخلي الفوري عن واشنطن، بل أمام ضرورة التحرر من الاعتماد الأحادي عليها؛ فالحليف الذي يوفر الحماية قد يتحول، عند اندلاع الحرب، إلى سبب مباشر لاستدراج النيران.»
|
دول الخليج أمام مفترق استراتيجي: مواجهة إيران أم التعايش معها؟ 17/09/2026 سيدني - الميدل ايست تايمز الدولية: أعادت الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران، وما رافقها من اتساع ساحات المواجهة وتهديد طرق الطاقة والملاحة، طرح أسئلة مصيرية حول مستقبل الشرق الأوسط، ولا سيما مصير الدول الخليجية الحليفة للولايات المتحدة، التي وجدت نفسها بين التزاماتها الأمنية مع واشنطن ومتطلبات حماية أراضيها واقتصاداتها من ارتدادات الحرب. وفي مقابلة تلفزيونية بثتها قناة «أن بي أن» اللبنانية، قدّم الدكتور شرارة قراءة ترى أن الحرب لا تستهدف إيران أو قوى المقاومة وحدها، بل تسعى إلى تغيير موازين القوى وإعادة تشكيل المنطقة بما يوفر بيئة استراتيجية ملائمة لتكريس الهيمنة الإسرائيلية. وبحسب هذه القراءة، فإن المشروع الإسرائيلي لا يكتفي بإضعاف الدول المناهضة له، بل يقوم على تفتيت الكيانات الوطنية وتحويل المنطقة إلى وحدات صغيرة ومتنازعة، بما يسمح لإسرائيل بالتحول إلى القوة الإقليمية الأكثر قدرة على فرض إرادتها، فيما تتفرغ الولايات المتحدة لأولويات دولية أخرى، وفي مقدمها احتواء الصين. «إسرائيل الكبرى» وتفكيك المنطقة ينطلق الدكتور شرارة من تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب قارن فيها بين مساحة إسرائيل والشرق الأوسط، ليعتبر أن هذه المقارنة تعكس تبنياً سياسياً لرؤية توسعية تسعى إلى تغيير الجغرافيا السياسية للمنطقة. ووفقاً لتحليله، فإن استهداف إيران كان يفترض أن يبدأ بضرب القيادة والمنشآت العسكرية والأمنية، ثم الانتقال إلى تحريك اضطرابات داخلية ودعم الجماعات الانفصالية وتسليح بعضها، بهدف إسقاط النظام وتفكيك الدولة الإيرانية من الداخل. غير أن هذا المخطط، كما يرى، اصطدم بقدرة إيران وحلفائها على الصمود والرد ونقل المعركة إلى القواعد العسكرية الأميركية والممرات البحرية ومنشآت الطاقة. وهكذا لم تعد المواجهة محصورة في غزة أو جنوب لبنان أو اليمن أو إيران، بل تحولت المنطقة بأكملها إلى مسرح عمليات مترابط. وتكشف هذه التطورات أن الحرب لم تعد صراعاً بين دولتين أو جبهتين، وإنما مواجهة على شكل النظام الإقليمي المقبل: هل تبقى دول المنطقة كيانات متماسكة وقادرة على اتخاذ قراراتها، أم تتحول إلى ساحات نفوذ موزعة بين قوى دولية وإقليمية؟ النفط والمضائق في قلب المواجهة تكتسب السيطرة على مضيق هرمز وباب المندب وخطوط تصدير النفط أهمية استثنائية، لأن الهيمنة الأميركية على النظام العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ارتبطت، في جانب أساسي منها، بقدرة واشنطن على حماية تدفق الطاقة وضمان وصولها إلى الاقتصادات الكبرى بأسعار مستقرة. أما اليوم، فإن استهداف ناقلات النفط وخطوط الأنابيب والقواعد العسكرية، والتهديد المستمر للممرات البحرية، يضرب إحدى ركائز هذا النظام. وقد أعلنت السعودية إغلاق خط أنابيب الشرق–الغرب عقب هجمات بطائرات مسيّرة، في وقت أدى فيه توسع عمليات الحوثيين قرب باب المندب إلى زيادة المخاوف على الملاحة وإمدادات الطاقة. The Guardian، Reuters إن ارتفاع أسعار النفط وتعطل الإمدادات لا يهددان الاقتصادات المستوردة للطاقة فحسب، بل يضعان الدول الخليجية المنتجة أمام معضلة مزدوجة: فهي قد تستفيد مؤقتاً من ارتفاع الأسعار، لكنها تواجه في المقابل أخطاراً مباشرة على منشآتها وخطوط تصديرها واستقرارها المالي ومشاريعها التنموية.ما مصير حلفاء واشنطن في الخليج؟ السؤال الأخطر الذي تثيره المقابلة هو: هل لا تزال المظلة الأميركية قادرة على حماية الدول الخليجية، أم أن الوجود العسكري الأميركي بات يجذب إليها الهجمات؟ لقد أقامت دول الخليج شراكات أمنية عميقة مع الولايات المتحدة، واستضاف بعضها قواعد ومنشآت وقوات أميركية. وكانت المعادلة تقوم على أن توفر واشنطن الحماية العسكرية، مقابل تسهيلات استراتيجية وتعاون اقتصادي وسياسي واسع. لكن الحرب كشفت هشاشة هذه المعادلة. فعندما تُستخدم القواعد الموجودة في المنطقة لتنفيذ عمليات ضد إيران، تصبح الدول المضيفة، بصرف النظر عن موقفها السياسي، معرضة للرد. وهنا تتحول القاعدة التي أُنشئت للحماية إلى هدف محتمل، ويتحول التحالف الأمني إلى مصدر خطر على الدولة المستضيفة. كما أظهرت التطورات الأخيرة أن الولايات المتحدة قد ترتب أولوياتها وفق مصالحها المباشرة، وليس بالضرورة وفق احتياجات حلفائها. ففي المواجهة المتصاعدة مع الحوثيين، امتنعت واشنطن عن تقديم تدخل عسكري مباشر لمصلحة السعودية، واكتفت بدرجات محدودة من التعاون، بينما بدأت الرياض البحث عن دعم من دول أخرى وسط تراجع مخزون صواريخ الدفاع الجوي. Associated Press، The Guardian ولا يعني ذلك أن واشنطن ستتخلى كلياً عن الخليج؛ فالمنطقة ما زالت حيوية للطاقة والتجارة والتمركز العسكري الأميركي. لكن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقالاً من الضمانات الأمنية المطلقة إلى دعم انتقائي تحكمه حسابات الكلفة والمصلحة الأميركية. بين واشنطن وطهران أمام دول الخليج ثلاثة احتمالات رئيسية. الأول هو الاستمرار في الاعتماد شبه الكامل على المظلة الأميركية، وهو خيار يوفر التكنولوجيا والسلاح والاستخبارات، لكنه يبقي هذه الدول مرتبطة بالقرارات الأميركية ومعرضة لتداعيات أي مواجهة لا تشارك في اتخاذ قرارها. والثاني هو الاتجاه إلى حياد كامل وفك الارتباط الأمني بواشنطن، لكنه يبدو صعباً في المدى القريب بسبب تشابك المصالح العسكرية والاقتصادية، واعتماد جيوش خليجية على أنظمة التسليح والدعم الفني الغربي. أما الاحتمال الأكثر واقعية، فهو تنويع التحالفات وتطوير سياسة توازن تشمل الحفاظ على العلاقات مع الولايات المتحدة، والانفتاح على الصين وروسيا والقوى الآسيوية، وتعزيز المصالحات الإقليمية والحوار المباشر مع إيران. إن هذا التوجه لا يمثل انتقالاً من محور إلى آخر، بل محاولة لبناء هامش استقلال يمنع استخدام الأراضي الخليجية منطلقاً للحروب، ويحد من تحولها إلى أهداف للردود العسكرية. الخليج ليس كتلة واحدة ينبغي أيضاً عدم التعامل مع دول الخليج بوصفها كتلة سياسية متطابقة. فلكل دولة حساباتها الجغرافية والأمنية والاقتصادية المختلفة. السعودية تواجه أخطاراً مرتبطة باليمن والبحر الأحمر ومنشآت النفط. والإمارات تعتمد بدرجة كبيرة على التجارة والموانئ والاستثمارات، ما يجعل الاستقرار شرطاً أساسياً لنموذجها الاقتصادي. أما قطر فتجمع بين استضافة وجود عسكري أميركي وعلاقات مفتوحة مع أطراف إقليمية متعددة، بينما تؤدي عُمان دور الوسيط وتحافظ على قنوات اتصال مع إيران. وتقع الكويت والبحرين، بحكم موقعهما ووجود المنشآت العسكرية الأجنبية، في دائرة التأثر المباشر بأي تصعيد. لهذا، قد تدفع الحرب دول الخليج إلى مزيد من التنسيق الأمني، ولكنها قد تكشف أيضاً اختلاف أولوياتها ودرجة استعداد كل منها لتحمل كلفة المواجهة.لبنان وخطر الرهانات الداخلية في الشق اللبناني، حذر الدكتور شرارة من تكرار رهانات عام 1982، عندما اعتقدت قوى داخلية أن الاجتياح الإسرائيلي يمكن أن يقلب موازين القوى لمصلحتها. ويشير إلى أن النتائج جاءت لاحقاً على شكل حروب داخلية دامية وانقلابات سياسية معاكسة. ويرى أن الاعتقاد بأن زوال ذريعة معينة سيؤدي تلقائياً إلى انسحاب إسرائيل وعودة الاستقرار يتجاهل تاريخ الحروب، إذ تستطيع القوى الكبرى اختلاق الذرائع عندما تريد استخدام القوة. وقد استُخدمت حوادث وادعاءات مختلفة لتبرير اجتياح لبنان عام 1982، وغزو العراق، وتوسيع حرب فيتنام. لكن حماية لبنان لا يمكن اختزالها في تكرار الصيغ القديمة أو في تجاهل حق الدولة في امتلاك قرار الحرب والسلم. المطلوب استراتيجية وطنية دفاعية تحفظ سيادة الدولة، وتمنع الانقسام الداخلي، وتواجه الاعتداءات من خلال قرار لبناني جامع لا يسمح بتحويل البلاد إلى ساحة لصراعات الآخرين.
الحماية تبدأ بالقرار المستقل الخلاصة أن مصير دول الخليج لن يتحدد فقط بنتائج الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، بل بمدى قدرتها على استخلاص درس استراتيجي واضح: الثروة والسلاح الأجنبي والقواعد العسكرية لا توفر حماية كافية إذا بقي القرار الأمني مرتهناً لقوة خارجية. لا تبدو القطيعة مع واشنطن خياراً عملياً، كما أن الارتماء في محور مضاد لن يحقق الاستقرار. الطريق الأقل خطورة يتمثل في إقامة توازنات متعددة، وتحصين الجبهة الداخلية، وبناء قدرات دفاعية مشتركة، ورفض استخدام الأراضي الخليجية لشن هجمات على دول الجوار. لقد دخل الخليج مرحلة لم يعد فيها السؤال: من هو الحليف الأقوى؟ بل: كيف يمكن منع الحليف والخصم معاً من تحويل دوله إلى ساحات لحروب لا تريدها؟ ومع اهتزاز الثقة بفاعلية الضمانات الأميركية، بات أمن الخليج بحاجة إلى معادلة جديدة أساسها الحوار الإقليمي، وعدم الاعتداء، واحترام السيادة، وتنويع الشراكات. فمن يعتمد على مظلة واحدة قد يكتشف، عند اشتداد العاصفة، أنها لم تعد كافية لحمايته. |