بالنظام - الأجور





بالنظام

الأجور

زياد شبيب/ النهار ٦-٥-٢٠٢٢

في الزمن الانتخابي يكثر الحديث في الأمور التي تغري الناخبين ولا سيما عندما تكون التقديمات من مال الغير أو من المال العام، وهذا ما حصل قبل الانتخابات السابقة حين جرى تعديل الرواتب استناداً الى أرقام غير صحيحة وشكل ذلك ضربة قاسمة للمالية العامة وبداية الانهيار. واليوم يكثر الحديث عن حقوق العمال وأجورهم وبدلات انتقالهم في زمن فاقت فيه التشوهات المالية والاقتصادية كل معقول.

موضوع #الأجور وزياداتها وبدلات النقل وغيرها من الحقوق، يدخل بطبيعته في إطار العلاقة التعاقدية التي تجمع العامل بصاحب العمل. وهذه العلاقة تخضع أساساً لمبدأ حرية التعاقد، الذي يعبّر عنه بالقاعدة الشهيرة التي تقول بأن "العقد هو شريعة المتعاقدين". وحرية التعاقد هي أحد أوجه النظام الاقتصادي الحرّ الذي نص عليه الدستور في مقدمته (الفقرة و).

تدخل المشترع في هذه العلاقة التعاقدية بين الأجراء وأصحاب العمل، رغم خضوعها لمبدأ حرية التعاقد، والسبب أنها تتعلق بالأمان الاجتماعي. وهكذا حدّد قانون العمل مواصفات الأجر، معتبراً أنه يجب أن يكون كافياً لسدّ حاجات الأجير الضرورية وحاجات عائلته وألّا يقل عن الحد الأدنى الرسمي.

لهذه الغاية فوّض المشترع السلطة التنفيذية أن تقوم بتحديد الحدّ الأدنى الرسمي للأجور ونسبة غلاء المعيشة بمرسوم في مجلس الوزراء وذلك بناء على الدراسات وجداول تقلبات أسعار كلفة المعيشة.

وإعادة النظر بالحد الأدنى الرسمي للأجور يجب أن تتم دورياً لفترات لا تزيد عن سنة وذلك لتواكب الأجور الحقيقية مستوى تكاليف المعيشة.

أما تدخّل السلطة التنفيذية لأجل تحديد أو تعديل بدل النقل اليومي للمستخدمين والمنح المدرسية عن أولادهم، فيخرج عن نطاق التفويض المعطى لها من المشترع ويدخل في نطاق ممارسة حرية التفاوض الجماعي وحرية التعاقد (اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن تحديد الحد الأدنى الرسمي للأجور لسنة ١٩٧٠).

هذه المبادىء وُجدت للأحوال الطبيعية وحتى للأزمات، من النوع أو الحجم العادي، أما في أزمنة الانهيار فمن الصعب الركون الى المبادىء العادية ولا بد من تشريع استثنائي يضمن التوازن بين قيمتين مهمتين هما حرية التعاقد والأجر العادل.

الحكومات المتعاقبة أهملت واجب إعادة النظر الدورية بالحد الأدنى الرسمي للأجور، والذي يجب أن يكون سنوياً على الأقل، ومرت عشر سنوات على قرار مجلس شورى الدولة الذي أعلن هذه المبادىء (والذي كان لي شرف الاشتراك في إصداره، الرأي رقم ٢٣ تاريخ ٢٧/ ١٠/ ٢٠١١) من دون أن يتم الالتزام به فكانت النتيجة حصول هوة كبيرة بين الأجور الفعلية وكلفة المعيشة بحيث أن أي تصحيح إذا كان عادلاً من شأنه أن يسبب صدمة يصعب تحملها. ولهذا السبب نجد اليوم المبالغ المقترحة كحد أدنى قاصرة عن مواكبة الواقع للأجراء وفي الوقت نفسه ثقيلة على أرباب العمل. كما نلاحظ محاولات التفاف على القانون عبر رفع التقديمات الأخرى كبدل النقل، الذي يكون دخلاً وليس بدلاً عن مصاريف عندما يتخطى الكلفة الحقيقية للنقل الى مكان العمل، وذلك بهدف التهرب من رفع اشتراكات الضمان.

بالتزامن يبدو أن أجراء وعمال لبنان، أو من تبقى منهم، ومن فقد عمله دون أن يتمكن من الرحيل، ليسوا مكترثين للمفاوضات التي تجري بين ممثليهم وأرباب العمل، أو لاجتماعات لجنة المؤشر أو جلسات مجلس الوزراء.

يتساءل العمال، أو من تبقى منهم، عن المبالغ الكبيرة التي أنفقت على الحملات الانتخابية، كما يتساءلون عن تكاليف إجراء العملية الانتخابية التي قدرت بما يزيد عن خمسة عشر مليون دولار منذ مدة، ولا نعلم المبلغ النهائي الذي سترسو عليه.