الشيف سامي خويري وخفايا الصمود في الحرب اللبنانيّة: الفنادق الجولة الثانية





الشيف سامي خويري وخفايا الصمود في الحرب اللبنانيّة: الفنادق الجولة الثانية

الخميس 20 نيسان 2017 -

ما ورد في هذا المقطع هو جزء بسيط، من مقاطع وصفحات متتالية تروي قصة معارك الدكوانة وفون الشباك وعين الرمانة، ووسط بيروت، وانشاء مدرسة القتال،  أما التفاصيل فسترد من ضمن كتاب كامل ينشره موقع ليبانون فايلز، اضافة الى كتب اخرى تؤرخ مرحلة الحرب اللبنانية على لسان قادة من أحزاب أخرى، جرى البدء فعلياً بكتابتها.

في 20 أيّار 1975 تدهور الوضع في الدكوانة حيث وقع تبادل إطلاق نار بالأسلحة الخفيفة والثقيلة وتوسّعت لتشمل المناطق المحيطة والجبهات المذكورة أعلاه، واستمرّت طوال شهر أيّار، واستخدم الفلسطينيّون الهواوين (مورتر) للمرّة الأولى. وتركّز الضغط الفلسطيني أكثر على جبهة الشيّاح عين الرمّانة التي صمدت بصعوبة. وقد برز في هذه المعارك اسم ناجي بطرس في قيادة هذه الجبهة.

وكانت المعارك قويّة في محيط فنادق وسط بيروت وفي وادي أبو جميل. وبرز اسم روفايل مارون الذي أصيب في تلك المرحلة مع مجموعة من الـ"ب.ج." في اقتحام منطقة القنطاري وجامعة "هايغازيان" حيث طُوّقوا لمدة 24 ساعة وصمدوا إلى حين تدخّل مجموعة من فرقة الرميل (حبيب أبو جودة وجوزف عون) لفك الحصار.

وكان الشيخ بشير كنائب رئيس منطقة الأشرفيّة يراقب ويعطي التعليمات لقادة الجبهات بحكم علاقاته الوثيقة معهم. كما أنّ سعادة النائب الشيخ أمين الجميّل رئيس إقليم المتن الشمالي كان يمسك بزمام الأمور فيها ميدانياً، مما أعطى للقيادات زخماً كبيراً.

"مدرسة القتال"

بعدها أَنشَأْتُ "مدرسة القتال" في تمّوز 1975 وتسلّمتُ قيادتها بقرار من وليم حاوي في "قهمز" (أمز) وبتشجيع مباشر من رئيس مصلحة بيروت بيار صايغ الذي عرّفني على فرنسوا بوريللا وهو نقيب فرنسي في الوحدات الخاصة وكان يريد معاونتنا في القتال والتمرين، وقد تولّى تدريب فرقة الـ"ب.ج." ليلاً وعلى قتال المجموعة والدوريّات والكمائن وحروب الشوارع وغيره، وهذا الأمر قوّى الثقافة العسكريّة للفرقة خصوصاً في قتال المجموعات وهو ما كان ينقصنا.

وتخرّج من "مدرسة القتال" في قهمز آلاف الشباب، وفرقة الـ"ب.ج." حضّرت الجيل الواسع من الشباب الذين كانوا يتسلّحون من دون أن يعرفوا كيفيّة استخدام الأسلحة والرماية فيها، فكانت الدورات على 3 أشهر وهذا ما ساعد على صمودنا خلال الجولة الثالثة.

في الجولة الثالثة صادفنا تغيّرات على الأرض فقد كنّا سلّمنا الفنادق للدرك وهي الـ"سان جورج"، الـ"فينيسيا" والـ"هوليداي إن". ولكنّهم سبقونا إلى كل من "فينيسيا" و"سان جورج" واستولوا عليهما، أما الـ"هوليداي إن" فكنّا السبّاقين إليه. والوضع أصبح بذلك أصعب علينا. فللوصول إلى هذا الفندق يجب عبور شارع عرضه نحو 50 متراً وبرج المر مسلّط عليه. وعندما قَدِمتُ ليلاً وأُعلِمت بالوضع الجديد تبيّن لي أنّ الفندق موقع ساقط عسكرياً خصوصاً أنّه متّصل تقريباً بفندق "فينيسيا" وصموده سيكون معجزة وهو ما تحقّق على مدى 6 أشهر ولكن بالتبادل إذ كل أسبوعين كان هناك قائد مع مجموعة جديدة إلى أنْ سقط في آذار 1976 حين كان فيه مجموعة من مشمش قويّة جداً لا تتخطى العشرة أشخاص هاجمها مئات المقاتلين بعد فتحهم ثغرة في جدرانه الخارجيّة.

كتائبيّان يحبطان هجوماً كاسحاً على الـ"هوليداي إن"

كنت حازماً بوجوب الصمود في الـ"هوليداي إن"، ووصلتني أوامر مفادها أنّ القيادي في "المرابطون" ابراهيم قليلات صرّح بأنّهم سيحتفلون قريباً في الفندق، وطُلب منّي اتّخاذ ما يلزم من إجراءات والصمود كون الشباب الذين يدافعون عن الموقع قلقين. المسؤوليّة كانت كبيرة، فانتقلت إلى الفندق بملاّلة من صنع محلّي في البوار يطلق عليها اسم "تقلا" ومعي مجموعة من كسروان متطوّعين ومن بينهم حبيب حبيب وميشال مقصود الذي ساعدنا على تحديد الأهداف. الأوّل كان معي في المخيّم وأنهى دروسه الثانويّة وهو يُتقن الحساب وخضع لدورة مدفعيّة مع الجيش اللبناني واختصاصه المورتر. وصلنا إلى الفندق وكان مع حبيب الهاون ولكن لا يمكن نصبه على مدخله والمخارج مكشوفة لرصاص المسلّحين، فسألني حبيب هل ننصبه على سطح الفندق علماً أنّ هذا الأمر مخالف للقوانين العسكريّة، ولكنّني قرّرت الصعود وتسلّقنا 24 طبقةً وعلى السطح كان يوجد غرفة كبيرة فنصبنا المدفع جنبها. وبدأت عمليّة الرصد من جهة الشرق أي من طريق "طلعة جنبلاط" وكانت الشمس تشرف على المغيب فوجدت أنّ هناك تجمّعات عسكريّة تحضيراً للهجوم علينا. عندها قمنا بقياس المسافة من أجل استهدافها وتبيّن لنا أنّهم على بعد 150 متراً خط مباشر. فضبطنا المدفع ووضعنا القذائف جنب بعضها وقال لي حبيب سأضرب قذيفة واحدة تجربة وأصحّح على أساسها وبعدها نقصف كل القذائف بشكل متتال من دون توقّف حتى لا يتمكّن أحد من الفرار ولكن هناك خطر أن تسقط القذائف علينا لأنّ زاويته كانت 83 درجة أي تكاد أن تكون عموديّة وأي نسمة هواء قد تبدّل اتجاه القذيفة. فقلت له لنباشر، وضربنا القذيفة الأولى وسقطت بعيدة 50 متراً إلى يسار المجموعة. فصحّح وأسقطنا نحو 8 قذائف بشكل متتال وبثوان معدودة، أصابت كلّها التجمّع إصابات مباشرة. ومن ثمّ ضربنا تجمّعاً آخر بالطريقة ذاتها.

بعدها أعطيت الأوامر بفتح النار من مختلف أنواع الأسلحة المتوافرة على كل ما يتحرّك شرقاً وجنوباً. وبالفعل أصبح الفندق كجبل نار وكنّا نحو 50 مقاتلاً بعضهم يحمي المدخل والآخرون موزّعين على طبقاته. وكانت أختي يومها من دون علمي في الفندق وأعطت حديثاً لقناة "بي بي سي" الإنكليزيّة عن كيفيّة صمود موقع ساقط عسكرياً.

وفي الصباح الباكر يأتيني الخبر من البيت المركزي أنّ هناك أوامر بوقف إطلاق نار شامل والجيش اللبناني سيتسلّم مكان المقاتلين بناء لطلب القيادات في المنطقة الغربيّة. وشكّل هذا الإنجاز انقلاباً في مجرى الأحداث وتمكّنا من الانسحاب بشكل مشرّف من موقع فُقِدَ الأمل من صموده.

الحرب المفتوحة

وهدأت الجولة الثالثة إلى حين وقوع ما سُمّي بـ"السبت الأسود" في تشرين الثاني الذي من بعده انطلقت جولة مفتوحة عُرفت بـ"حرب السنتين". وخلالها تمّ استبدال "مجلس الأمن" بـ"المجلس الحربي" وأصبح بشير الجميّل نائباً لوليم حاوي فيه وقائداً له بعد استشهاد الأخير في 12 تمّوز 1976. وتشكّلت هرميّة جديدة للمجلس الحربي تضمّ شعباً وقادة مناطق وثكنات ليصبح المرجع الأوّل للقيادة العامة العسكريّة.

وفي نهاية حرب السنتين تمّ حلّ فرقة الـ"ب.ج." التي أصبح عديدها بحجم كتيبة (نحو 300 مقاتل) واشتركت في أهم المعارك، وليلتحق عديدها بفرقة المغاوير المركزيّة بقيادة جو إدة وابراهيم ضاهر، ومن ثمّ ابراهيم حدّاد ويوسف بعقليني.

                                                                   ربيع الهبر