شوارع يظللها الانقسام والسلطة في كوكب آخر.





شوارع يظللها الانقسام والسلطة في كوكب آخر.

انه الجنون الجماعي و”لحظة تخلي” تستبيح لبنان

بقلم الخبير المالي والاقتصادي حسن خليل

إنه عالم مجنون. لم أكن أتصور أن أشهد هذا اليوم بنفسي، والذي توقعته قبل نحو 20 عاماً. كنت أعتقد، في سياق صراع داخلي بين القلب والعقل، باستحالة وجود مسؤول على هذا القدر من اللامسؤولية، ليسمح بان يبلغ سوء الإدارة ومد اليد على ودائع الناس وأموال “الضمان الاجتماعي” ، حد دفع البلاد نحو انهيار لطالما تم التحذير منه.

كنا نقول إن هذه الطبقة السياسية الفاسدة ستأكل الزرع وتحرق الأرض. لكننا في العمق لم نكن لنصدق أنها ستقوم بذلك حقاً. لقد فعلت واوغلت في فعلها. آه، لو عَرِفَت الناس أين بلغت مفاوضات تشكيل الحكومة، وما هي الأسس التي تقوم عليها، وما هي مطالب الأفرقاء المعنيين لإمرار صفقة سياسية تؤدي إلى ولادتها، والله، لأغرق القيء الشوارع من الاشمئزاز.

لم تفهم هذه السلطة بعد أن أحداً لن يَسلَم إن غرق المركب. لم تدرك أن الثقوب نخرته من كل حدب وصوب والماء ملأت أروقته كلها. لم تستوعب بعد أن وقوفها على سطحه لن ينجيها. لم تع بعد أن ما لا يزال متوفراً من كتلة نقدية لتسيير شؤون الدولة والاستيراد وسد مستحقات الفترة المقبل، بالكاد يكفي لأشهر، إن لم يكن لأسابيع، تكون الطبقة السياسية قد استنزفت خلالها كل المقومات التي يمكن أن تساعد في تجنب اليوم الذي يعتدي فيه الجار على جاره ليسرق ما في ثلّاجته من طعام.

إنك تبالغ”، يقول لي بعضهم. هو البعض نفسه الذي قال لي قبل عقدين “إنك مغرق في التشاؤم” وأن “لبنان لطالما كان على هذه الحال وسيبقى” وأن “شيئاً مما تتوقع لن يحصل”. ما استجد اليوم هي حالة الوعي التي زادت عند الناس، التي اكتشفت فجأة أن القصة ليست مجرد حسومات على الرواتب والتقديمات، وإنما هي حكاية مصير بات مهدداً. باتت تطرح أسئلة من نوع ماذا يحصل في البلد حيث الشركات تتساقط بالمئات، بل بالآلاف؟ لماذا البطالة باتت مكوناً عضوياً في حياة شبابنا؟ إين ذهبت ودائعنا؟ لماذا الدولارات مفقودة؟ لماذا الدولة مفلسة؟ من أين نأتي بالغذاء والدواء؟

مع ذلك، للأسف، حالة الجنون هذه لا تقتصر فقط على أهل الحكم، الذين يبدو واضحاً أنهم يعيشون في عالم آخر، منفصل تماماً عما يجري في الشارع المثخن بكتلة مركبة من الغضب والعواطف الممزوجة ببعض من الجهل، والمخترق بقليل من التآمر. ومن ينكر ذلك إما ساذج أو متواطئ.

كنا نقول هناك شارع الحراك المدني حيث تغلغل قلّة ممن يريد تحقيق مآرب لجهات خارجية، عن وعي وإدراك أو عن غباء. وكنا نرى أن ذلك استنفر الشارع المقابل، الذي يعتبر أنه قدم الدماء من أجل حماية لبنان وتحرير أرضه، لإجهاض ما يسمّيه سيناريو المؤامرة على الإنجازات التي تحققت من العام 1993 إلى اليوم، حتى ولو كانت فرص حصوله، من وجهة نظره، واحد في المئة.

لكن الوضع لم يبق على هذه الحال. ضمن الحراك نفسه، وخارج السياق التآمري، أصبح هناك شارعين؛ الأول، يريد فتح الطرق وتسيير الحياة اليومية للناس مع إبقاء الضغط عبر التحشيد إلى الحد الأقصى في الساحات العامة. والثاني، يصرخ عالياً مخوّناً الفريق الأول. يؤكد على ضرورة إبقاء أوصال الوطن مقطّعة إلى حين اسقاط السلطة، رافضاً في الوقت عينه أي نقاش حول تصعيد قيادة للحراك يرى أن “لا حاجة لها”. فريق، بافتراض حسن النيات، تحرّكه عواطفه، يغلب عليه الجيل الجديد، تلك الفئات العمرية التي لم تعرف ماذا تعني الحرب، وماذا تعني الدماء، والخطف، والاغتصاب، وبتر الأعضاء، وبقر البطون…. وهي لا شك تجهل أن المخاطر لا تقتصر فقط على احتراب داخلي، بل قد تتدحرج إلى ما يتهدد السلم الإقليمي، حيث الاضطرابات الشعبية، من الطراز نفسه، تعصف بأكثر من دولة، وقد تبلغ الأمور يوماً يذهب الفريق المستهدف إلى خيار شمشوم (عليّ وعلى أعدائي يا رب).

في المقابل، في الشارع الذي يشتم رائحة مؤامرة، هناك وجهتا نظر: الأولى، متشددة، مصرّة على عدم السماح بالمس بما حققته من “انتصارات” ولو بثمن الجوع والعطش. أما الثانية، فتقول باستيعاب الظرف والتعامل المرن وتخفيض السقوف، والسعي إلى ضمانات سياسية تقطع الطريق على المؤامرة، معتبرة أن الأولوية اليوم لوقف الفساد درءً للانهيار. انقسام يطبع أيضاً قيادات هذا الشارع، حيث يميل بعضها إلى هذا الرأي فيما يتمسك الآخر بذاك.

الخلاصة هي أن الحراك اليوم منقسم، والشارع المقابل منقسم، والقيادات منقسمة، فيما السلطة، كما بات واضحاً، تعيش في كوكب آخر. هو الجنون بعينه، حيث العقل مغيّب والأنانية مسيطرة والنرجسيّة طاغيّة.

أحد لا يستطيع أن ينكر أن غالبيّة الحراك المدني علمانيّة. لكن شارعها، في نهاية الأمر، جزء من هذا الوطن، الذي يبدو مصاباً بلعنة عصيّة على الزوال. الجزء الأكبر منه مستعد في أي لحظة ليستعيد طائفيته الغرائزية. من يكره سعد الحريري سينتفض لسنيّته. ومن يكره نبيه بري سينتفض لشيعيّته. ومن يكره وليد جنبلاط سينتفض لدرزيته. ومن يكره كل زعماء الموارنة سينتفض لمسيحيّته.

ما السبيل ليقتنع أبناء هذا البلد أنه للكل وليس لأحد. أن خراب الهيكل لن يبقى ذرٌ ولا رماد. أن ترجيح العقل ضرورة وجوديّة. أن المطلوب أكل العنب لا قتل الناطور وحرق الكروم. انه الجنون الجماعي. هي لحظة التخلي. الله يستر.