أستراليا.. حزب العمال وتحديات ما بعد الخسارة





أستراليا.. حزب العمال وتحديات ما بعد الخسارة

بعد انقشاع غبار الحملة الإنتخابية وانتصار الإئتلاف (الأحرار- الوطني) وتشكيل سكوت موريسن حكومته الجديدة وانتخاب انطوني البانيزي زعيماً لحزب العمال والذي بدوره شكّل حكومة الظل، بدأت الحياة السياسية بالعودة إلى طبيعتها ولكن ليس من دون تحديات سياسية إقتصادية إجتماعية وثقافية وغيرها لكل من الحكومة والمعارضة.

أول الغيث، الكباش حول حرية الصحافة بعد مداهمة الشرطة الفيدرالية الأربعاء 5/6/2019 لمكاتب هيئة البث الوطني (أي بي سي)، وقبل ذلك منزل الصحافية آنيكا سميثرست من نيوز كورب، ومساءلة الإعلامي  بن فوردهام الذي يعمل في إذاعة (تو جي بي) بحجة نشر معلومات تمسّ بالأمن القومي، أيّد رئيس الوزراء إجراءات الشرطة معتبراً أنها مؤسسة مستقلة، بينما كان موقف المعارضة مغايراً وطلبت توضيحاً من الحكومة، حيث أدان زعيم المعارضة أنطوني البانيزي بشدة مداهمة منزل الصحافية ووصفه بالعمل "الفظيع".

رئيس الوزراء سكوت موريسن الذي ربح الإنتخابات عكس كل التوقعات، يملك من رأس المال السياسي ما يخوله أن يقول لزملائه في الحزب بأن الكلمة الفصل له، وهذا التعبير كان موريسن قد استعمله أثناء الحملة الإنتخابية، بالإضافة إلى ذلك فإن رئيس الحكومة أكثر إطلاعاً على وضع الإقتصاد الوطني والمالية، فإن موريسن كرئيس للحكومة التي تقرر طبيعة السياسية الأسترالية لثلاث سنوات قادمة يعتبر بوضع أفضل من زعيم المعارضة، إلا إذا عادت ودبّت الفوضى التي عطّلت الحياة السياسية الأسترالية خلال السنوات العشر الأخيرة من التنافس على الزعامة الحزبية سواء عند العمال والائتلاف (الأحرار- الوطني).

أما المعارضة والتي منيت بهزيمة إنتخابية مدوّية تجنبت الصراع على تقاسم نتائج الهزيمة، وسارعت إلى لملمة جراحها وإستطاعت تجنب القطوع  الأول بانتخاب انطوني البانيزي زعيماً للحزب بدون منافس، والذي سارع إلى تشكيل حكومة الظل التي تساوت فيها عددياً مقعاد النساء والرجال مع بعض التعديلات لإرضاء الأجنحة الحزبية، وقد تم توزير زعيم المعارضة السابق بيل شورتن الذي كلّف الإشراف على حقيبة  التأمين للخطة الوطنية للمعاقين.

خاض بيل شورتن الإنتخابات تحت شعار الوحدة الحزبية والفريق المتجانس، وهذا ما أكده زعيم الحزب الجديد الذي قال بأنه التزم بسياسية الحزب خلال السنوات الست الماضية وبالمقابل فإنه يطلب من بيل شورتن أن يعامله بالمثل!

 تسرّبت أخبار نقلتها جريدتي (ذي سدني مورننغ هيرالد والايج 30/5/2019) عن حلفاء شورتن عن نيته العودة إلى قيادة الحزب رغم أن الناخبين قد رفضوه في الإنتخابات الاخيرة وإنتخابات عام 2016 ، وقد وصف الناطق باسم السيد شورتن هذا الخبر "بالهراء". وكانت ديبرا نايت مقدمة برنامج "اليوم" على القناة التاسعة قد حذّرت انطوني البانيزي من أن منصبه في خطر قائلة:  "عليك الإنتباه لأن هناك تقارير تتحدث عن أن شورتن أخبر حلفاءه عن نيته العودة إلى زعامة الحزب".

الجدير ذكره أن العلاقة الشخصية بين الرجلين لم تكن في أحسن حالاتها منذ عام 2013 بعدما تنافسا على قيادة الحزب وقتذاك حيث حظي البانيزي بدعم القواعد الحزبية، بينما استطاع شورتن التغلّب عليه بأصوات أعضاء مجلس الحزب ( الكوكس) بموجب النظام الإنتخابي الحزبي الذي عدّله رئيس الوزراء الأسبق كيفن راد عام 2013 للحد من التحديات على زعامة الحزب.

إن سياسية البكاء على الأطلال لن تجدي نفعاً، وقد يكون درس الخسارة مناسبة للحزب لإعادة النظر في سياسته من أجل استرجاع الناخبين الذين هجروه  حيث يقدّر عددهم  بمليون ونصف  منذ إنتخابات عام 2007 والتي فاز فيها الحزب بزعامة كيفن راد بأغلبية ساحقة كما قالت شبكة سكاي نيوز، ولكن كبير المحللين السياسيين في صحيفة ذي سدني مورننغ هيرالد ديفيد كرو يشكك في تلك الأرقام لكنه يؤكد أن هجرة الناخبين لحزب العمال ليست وهماً ( س م ه 30/5/2019)، وقد بلغت نسبة الأصوات الأولية التي صوتت للحزب في الإنتخابات الأخيرة 33.3% وهذا ما يدركه البانيزي ويعمل عليه.

ان مشكلة استياء الناخبين ليست وقفاً على ابتعادهم عن الحزبين الكبيرين، حيث ربحت حكومة موريسن أخيراً الإنتخابات بالنسبة الأدنى من الأصوات منذ بدء العمل بنظام التصويت الإلزامي عام 1922 حيث كانت نسبة المقترعين يومذاك 55% وحسب (س م ه 1/6/2019 ص11) فإن الناخبين الشباب يديرون ظهورهم للديمقراطية حيث كانت نسبة التصويت القانونية وغير القانونية أقل من 91% بالإضافة إلى ان 1.5 مليون ناخب لم يقترعوا بالمطلق. 

البانيزي الذي ينتمي إلى جناح اليسار في الحزب يدرك ان الحزب يجب أن يدار من الوسط، وهذه هي السياسية التي عمل بها في الماضي وينوي الإستمرار بها كزعيم للحزب لاعتقاده بأنها سياسة بناءة سواء داخل الحزب أو للناخبين وقطاع الأعمال الكبيرة والصغيرة والمؤسسات المدنية مع المحافظة على القيم الحزبية، وقد حدد نقاط القوة بسياسية الحزب في الصحة والتعليم  وقال أنه برغم أهمية هذين القطاعين فإن الإنتخابات الفيدرالية يجب أن تخاض لتربح على أساس الإقتصاد الوطني كما قال حيث تأمن الوظائف، مبتعداً عن سياسية سلفه الطبقية ومقترباً من سياسية الحكومة التي ركّزت حملتها الإنتخابية على هذا القطاع وقال :"حزب العمال يدعم النمو الإقتصادي كعنصر رئيسي في سياستنا لأن الوظائف دائماً تأتي أولا، ثانياً وثالثاً في سلم الأولويات من سياسة هذا الحزب العظيم".

تواجه حزب العمال وزعيمه في المرحلة القادمة تحدايات أخرى منها الحزبية، الشعبية والعمرية (المتقاعدين والشباب)، والفروقات بين الولايات والمدن والريف التي لا تقل أهمية عن تأمين الوظائف والموازنة بين هذه التحديات التي تتفاوت بين ولاية وأخرى كالمناجم في كوينزلند، وتحديات ثقافية إجتماعية خصوصاً في ما يتعلق بقضايا حرية الأديان والتي لعبت دوراً مهما في الإنتخابات الأخيرة (غرب سدني)، وقضية الإحتباس الحراري التي كانت لها دور في زيادة عدد الناخبين الذين صوتوا لصالح العمال في المدن وفي ولاية فكتوريا، بالإضافة إلى إعادة النظر بالسياسة الضريبية والتي شكلت العامود الفقري في الحملة التخويفية منها المفبرك كالضريبة على الأموات، أو الحقيقية التي شنّها سكوت موريسن والحكومة على سياسية الحزب الضريبية، كالضريبة على دخل المتقاعدين، اقتطاع بعض الأرباح على رأس المال أو وقف العمل بالإستثمار السلبي (النيغتف كيرنغ) للمنازل القديمة. يبدو أن البانيزي يتريّث باتخاذ أي موقف من مسألة الضرائب أقله في الوقت الحاضر خصوصاً ان الإنتخابات على مسافة ثلاث سنوات من الآن.

وبنظرة إلى توزيع المقاعد النيابية بين الريف والمدن نرى أن نسبة 82% من مقاعد العمال في المدن بينما تتدنى هذه النسبة إلى 69% عند الائتلاف.

هذا من جهة، أما من جهة أخرى وفي هذا العالم الذي يتغيّر بسرعة وتتغير معه الخريطة الإقتصادية خصوصاً في ظل الحرب الباردة التجارية بين الولايات المتحدة الحليف الاستراتيجي لأستراليا، وبين الصين الشريك التجاري الأول، فكيف لأستراليا أن تستطيع الموازنة بين الحليف والشريك حتى لا يتأثر الإقتصاد الأسترالي الذي ينعم بنمو مستمر منذ 28 عام؟! مع العلم إن بوادر التباطئ بدأت تظهر في النمو الإقتصادي والتي بلغت 1.8% وهو أدنى معدل نمو سنوي منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، مما دفع البنك المركزي لخفض سعر الفائدة الرسمي الثلاثاء 4/6/2019 بنسبة 25 من واحد بالمئة لأول مرة منذ 3 سنوات، وكان البنك المركزي تردد في خفض نسبة الفائدة قبل الإنتخابات خشية تسييس الأمر والتأثير على نتائج الإنتخابات. وكانت نسبة العاطلين من العمل قد ارتفعت من 5% إلى 5.2% في الربع الأول من العام 2019،  مع إستمرار تراجع أسعار المنازل في المدن الرئيسية خصوصاً سدني وملبورن، مما يؤثر على توقعات الحكومة بتحقيق فائض بالميزانية الذي توقعته (7.1 مليار دولار العام المالي القادم)، وهذا ما قد يؤدي إلى تزويد العمال بالذخيرة السياسية والتصويب على عدم مصداقية الحكومة في ما يتعلق بسياستها الإقتصادية والمالية.

إن استمرار وحدة الحزب متوقفة على إداء البانيزي وفريقه الذي شكّله بالإتفاق وبتنازلات متبادلة بين الأجنحة، والتي تعطي الإنطباع وينظر إليها من قبل الناخبين أنها تتحكم بالحزب بدون محاسبة ولمصالح لا صيغة تمثيلية لها كما تقول الكاتبة في صحيفة ذي صن هيرالد جاكلين مالي. هذا ما أدى إلى الإطاحة بزعامة كيفن راد عام 2010 لأنه لا ينتمي إلى أحد الأجنحة القوية في الحزب، وهي نفس الأسباب التي أدت إلى وصول بيل شورتن إلى زعامة الحزب عام 2013 لأنه ينتمي إلى أحد الأجنحة القوية.  

هنا لا بد من التساؤل عن الدور الذي سيلعبه شورتن وهل سيلتزم بقواعد العمل الحزبية التي تفاخر بها أثناء قيادته للحزب، وهل كان من الأفضل ان يترك السياسة أو على الاقل ان يتراجع إلى المقاعد الخلفية ؟

على شورتن أن يردّ الجميل للحزب ورفاقه الذين تعاونوا معه خلال فترة زعامته وترك السياسة، لأن بقاء الزعيم السابق للحزب، أي حزب، مقدمة لمرحلة من عدم الإستقرار. هناك شواهد من التاريخ الحديث، جان هاورد والذي اطلق عليه مرة (مستر17%) واندروا بيكوك الذي عاد هاورد وانقلب عليه، أو مؤخراً مالكوم تيرنبول طوني أبوت في حزب الأحرار، أو كيفن راد وجوليا كيلعاد من حزب العمال.

أخيراً، هل تغيرت الخريطة السياسية الأسترالية بعد الإنتخابات الأخيرة (18 أيار) أم "ستعود حليمة لعادتها القديمة" كما يقول المثل، في ظل حكومة ربحت الإنتخابات دون أي سياسة جديدة غير المحافظة على الوضع القائم، وتعتبر نفسها بأنها حصلت على تفويض شعبي، ومعارضة لا يمكن الحكم على إدائها وكيف ستقارب القضايا التي كانت إحدى الأسباب لخسارتها الإنتخابات، وكيف ستعمل على ترميم الوضع السياسي للفوز بثقة الناخبين في الإنتخابات القادمة مع المحافظة على قيم الحزب التقدمية. بإعتراف زعيم  المعارضة الجديد أنطوني البانيزي نفسه قد يكون فريقه الجديد ليس كافياً لربح الإنتخابات القادمة، لكنه يؤسس لبداية ولإنطلاقة جيدة.

الشيء المفروغ منه سواء بالنسبة للحكومة او المعارضة، أن الطبيعة تكره الفراغ. فلننتظر لنرى "إن غداً لناظره قريب ".

عباس علي مراد  

Email:abbasmorad@hotmail.com