حاجتنا للحوار والنقاش العام





حاجتنا للحوار والنقاش العام

د. يوسف الحسن

* مَن مِن الكتّاب والمثقفين والمبدعين والأدباء، يتذكر حواراً أو مجادلة فكرية أو فنية، جرت بين مثقفينا خلال العقود الأربعة الماضية، ومنشورة في وسائل الإعلام التقليدية.

* من الصعب، حسب معرفتي القبض على مثل هذه المجادلات وتفاعل الأفكار، وتفكيك الآراء والروايات وغيرها من الأعمال الثقافية.

* ورغم صدور العديد من الروايات والدواوين الشعرية والأعمال الفنية، من رسم أو نحت وخلافه، والدراسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية إلا أنها لم تلق اهتماماً نقدياً، ولم تحظ بحوار أو نقاش عام، يعيد تفكيكها وبناءها مما يسهم في تطوير الفعل الإبداعي، ويقلص الفجوة ما بين أصحاب الأفكار والإبداع، وأعضاء المجتمع.

* إن السؤال والنقاش العام والحوار، وفرضياته وصناعته هي أساس بناء المعرفة، ولا نبالغ في القول، إن تاريخ الفكر الإنساني هو تاريخ السؤال عن المعنى وفي المعنى.

* بدون حوار ونقاش عام في أي مجتمع يتعرض المجتمع إلى نوع من التصحر أو الجفاف الثقافي، ففي الحوار والنقاش والتحليل والرؤية النقدية العلمية، تزدهر ثقافة الإصغاء وفنه، ويترسخ التفاعل الفكري والثقافي، ويتعمق الوعي بالقضايا الملحة في مجتمعاتنا، وتتعظم الجوامع والمشتركات ويحترم الاختلاف، وهو جوهر مفهوم التسامح بأبعاده الأخلاقية والفلسفية والقانونية.

* ليس مهماً، عدد الكتب التي نصدرها، أو المقالات التي نكتبها أو القصائد التي ننظمها، بل المهم هو ماذا نكتب؟ وما هو أثر ذلك الفعل الثقافي أو الفكري، في تحقيق الصالح العام، وتربية المجتمع على مفاهيم المسرة وقيم المشاركة والأمانة والمحبة، وتحفيز روح البحث عن الفضائل الإنسانية والجمال والخير العام؟

* وكلما اتسعت مساحة الفضاء العام للحوار والنقاش. زادت قدرة الناس على بناء علاقات مجتمعية صحية، وعلى فتح الدروب باتجاه الحقيقة، وتجويد الفعل الثقافي، والدفع بمزيد من الثقافة في عروق حياتنا وبرامجنا الاجتماعية والتعليمية والتنموية. وإعادة الإنسان إلى روح الحرية والمسؤولية، والحداثة الإنسانية.

* نعم... لقد تحولت الثقافة بمعناها العام إلى صناعة متكاملة، لكن ذلك لا يعني فقدانها لجوهرها ومعناها، بوصفها أداة للنقد واجتراح البدائل الممكنة.

* الذين يقولون: «نحن نكتب أو نبدع، وليتدبر القارئ أو المشاهد أمره» لا يدركون القيمة التأثيرية لما ينتجونه، في فضاء يحفز طرح الأسئلة.

* منذ سنين، وكثيرون من الكتّاب يتطلعون نحو خروج أعضاء هيئات أكاديمية في الجامعات، من شرنقة كتابات بحثية هدفها الأول الترقي في المناصب الجامعية، بعيداً عن أغراض التطوير المجتمعي، أو توجيه مجرى التفكير أو تحفيز الحس الأخلاقي والإنساني والجمالي، والاستكشاف المعرفي.

* الإبداع الثقافي والعلمي والأدبي، هو (شيفرة) الترميز التي تعطي معنى للأشياء والأحداث، وتمنح أفراد المجتمع الهوية الوطنية المشتركة، وتشهد على تجربة وطن وطموحات شعب وأحلامه.

* نعم.. هذا وطن، بوسع المثقف المبدع «أن يعيش فيه مرفوع الرأس»، كما يقول الكاتب أمين معلوف، ويستحق من كل منا أن نعطيه كل ما لدينا من فكر وإبداع، وحوار ونقاش بناء.