عيد بشارة مريم العذراء محطة رجاء في زمن الخوف

المطران طربية: "... ما يحدث اليوم هو حرب عالمية ضد الحياة والانسان ولا تفرّق بين عرق أو دين أو هوية"




المطران طربية: "... ما يحدث اليوم هو حرب عالمية ضد الحياة والانسان ولا تفرّق بين عرق أو دين أو هوية"

يطلّ علينا عيد البشارة هذه السنة وسط  تساؤلات ومخاوف كثيرة يطرحها انسان اليوم نتيجة انتشار وباء الكورونا فيروس محلياً وعالمياً. ولكن بشارة العذراء مريم بأنها وجدت نعمة عند الله، وأنها ستحبل وتلد ابناً وتسمّيه يسوع، لأنه سيخلّص شعبه من خطاياهم، تحملنا الى مكان آخر، الى أبعاد روحيّة مليئة بالرجاء، وتدفعنا للتوقف ولو للحظات عن التفكير والتفاعل مع مشاكل وتحديات عالمنا المعاصر لنعود ونتأمل بمحبة الله ومخططه الخلاصي.

فالبشارة لمريم العذراء تشكّل بداية تحقيق مشروع الله الخلاصي الذي يشمل جميع البشر. وفي البشارة، بلغ ملء الزمن الذي فيه يتحقق الوعد لآدم وحواء، ومن بعدهما الوعد لابراهيم بمجيئ المخلص. وقد أعد الله مريم إبنة يواكيم وحنّة من الناصرة، لتكون أماً لابنه الأزلي، فتعطيه جسداً بشرياً ليتمّم عمل الفداء والخلاص، مما يعني أن الله وحده هو سيّد التاريخ، وأن الإنسان، كل إنسان هو معاون لله في عملية الخلق والإبداع وفي صنع التاريخ. وهذا ما يجعلنا نعي خاصة في عيد البشارة، ان لكل شخص كرامته وقدسيته، وأن مريم العذراء هي المثال وبامتياز.

ولعدة سنوات مضت، وتماشياً مع المبادرة التي انطلقت من لبنان، أن يكون عيد البشارة مناسبة يحتفل بها المسيحيّون والمسلمون معاً، جرت العادة  أن نلتقي مسيحيين ومسلمين في 25 آذار من كل سنة في الجامعة الكاثوليكية - ستراثفيلد، للصلاة وإكرام العذراء مريم، معتبرين أن هذا اللقاء هو فريد من نوعه في العالم، ويشكّل خطوة أساسية في موضوع الحوار والتلاقي بين الأديان.

ولكن تنفيذاً للإجراءات والتدابير والتعليمات الرسمية التي اتخذتها الحكومة الاوسترالية والمراجع المعنية لمواجهة أخطار تفشي الكورونا فيروس والذي تحوّل الى شكل حرب عالميّة ضد البشرية جمعاء، وتناغماً مع قرارت الكنيسة الأم في اوستراليا وفي بكركي - لبنان، وانسجاماً مع كل الخطوات التي أعلنتها تباعاً كراعٍ للأبرشية المارونية، وحفاظاً على صحة المصلّين والمؤمنين والمواطنين كافة، ومنها التعليق أو الحد من التجمعات والاجتماعات والمناسبات الروحية والزمنية، لقد قرّرنا إرجاء الاحتفال السنوي لعيد بشارة أمنا السيدة العذراء مريم، والاستعاضة عنه بالصلاة وطلب شفاعة العذراء مريم للبشريّة المتألمة.

وكنا كلجنة منظمة لهذا الاحتفال قرّرنا مناشدة غبطة البطريرك نيافة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي وسماحة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، المشاركة في الاحتفال من خلال مداخلتين متلفزتين، إضافة الى برنامج تشترك فيه فاعليات وقيادات روحيّة وسياسيّة وديبلوماسيّة واجتماعيّة، رجالاً ونساء من كافة الطوائف ومكوّنات المجتمع، نظراً لأهمية عيد البشارة، وفرادة الدعوة واللقاء للقيام بصلاة مسيحيّة اسلاميّة مشتركة.

وكنت ارتأيت كرئيس وراعٍ  للجنة المنظمة أن يعمّم الاحتفال بأهدافه وحيثياته على كافة الأبرشيات محلياً وعالمياً لفرادته في أوستراليا ولأهميته الروحية تعزيزاً للحوار المسيحي - الإسلامي ولثقافة تلاقي الأديان حول المفاهيم الروحيّة والانسانية بهدف إحلال السلام وإبعاد فلسفة الحقد والعنصرية، خاصة وأن دوافع هذه المناسبة لهذا العام تمحورت حول الكوارث الطبيعية التي ضربت أوستراليا كالجفاف والحرائق والفيضانات، وحول الأزمات الاقتصادية والسياسيّة التي عصفت بلبنان والتي دفعت الشعب للقيام بانتفاضته المحقّة في السابع عشر من تشرين الاول 2019.

وفي الختام، أشكر لجنة إعداد هذا الاحتفال السنوي والتي تضم كل من: الاستاذ أنور حرب، الدكتور عماد برّو، الاستاذ بيتر الخوري، الدكتور مصطفى علم الدين، الدكتور ممدوح مطر، والاستاذ عادل الحسن، لتعاونها لانجاح الاحتفال، وأدعو الجميع لتبّني سياسة الوقاية الشخصيّة والعائليّة وبشكل جدّي تجاه الأزمة الصحيّة العالميّة التي نعيشها، طالبين شفاعة أمنا العذراء سيّدة البشارة كي يمنّ الله على البشرية جمعاء بالصحة والسلام، وأن يقينا من وباء الكورونا المستشري. وعلينا بالتالي القيام بما تمليه علينا قيمنا الانسانيّة والايمانيّة لناحية مساعدة المصابين ومواجهة المصائب والكوارث بالصلاة والتضامن، لأن ما يحدث اليوم هو حرب عالمية ضد الحياة والانسان ولا تفرّق بين عرق أو دين أو هوية.

+ المطران أنطوان-شربل طربيه

راعي أبرشية أستراليا المارونية

سيدني في 25 آذار 2020





 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
حقوق الطبع 2007 - تيميس.كوم الشرق الاوسط