لا تُحرجوا سعد الحريري...




لا تُحرجوا سعد الحريري...

05 تشرين الثاني 2018 - دافيد عيسى - سياسي لبناني

قدّم الرئيس المكلّف سعد الحريري في السنوات الأخيرة، البرهان والإثبات على أربع مزايا سياسية وشخصية يتمتع بها وتشكّل مصدر تميّز وتفوّق لديه:

* أولاً: أثبت أنه رجل التسويات الكبرى التي تحتاج إلى رجال قرار وموقف ويمثلون على الأرض وفي طوائفهم، وأنه الشريك الواجب الوجود في الحكم. سعد الحريري هو الذي ساهم مساهمة فعّالة في التسوية الرئاسية التي أوصلت الرئيس ميشال عون إلى قصر بعبدا وإعادته هو إلى السراي الحكومي لتقوم هذه الثنائية في الحكم.

* ثانياً: أثبت أنه الأقوى في الطائفة السنية، وهذا ما أكدته الانتخابات النيابية الأخيرة التي خرج منها بكتلة وازنة رغم التغيير الذي طرأ على النظام الانتخابي باعتماد النسبية ورغم الظروف والضغوط التي كانت تحاصره من كل الجهات، صحيح أن "تيّار المستقبل" لا يمثّل لوحده كل السنة ولكن هناك فارق شاسع بين ما يمثله هو وما يمثله سواه والفجوة ما زالت كبيرة ولا تردمها تحليلات وفرضيات، والأهم ما في الانتخابات الأخيرة أن سعد الحريري ربحها بقوته الذاتية، ولم تكن من حاجة هذه المرة لأن يستخدم رصيد والده أو دمه وقضية استشهاده، سعد الحريري فاز في انتخابات 2018 وتفوق ليس لأنه ابن رفيق الحريري وإنما لأنه نجح في تأكيد وتقديم نفسه وفي بلورة شخصيته ونهجه.

* ثالثاً: أثبت أنه صاحب علاقات خارجية واسعة وموضع ثقة دولية وأنه "العنوان" الذي ترسل إليه المساعدات والمساهمات المالية والاقتصادية، ولا مبالغة في القول إنّ مؤتمر "سيدر" مفصّل على قياس حكومة الحريري المقبلة، ولم يكن هذا ليحصل وينجح لو لم تكن "فرنسا ماكرون" لتنخرط في هذه العمليّة وتقودها لولا وجود سعد الحريري والحاجة إلى تثبيته وإنجاحه كعامل استقرار وشريك أساسي في الحكم.

* رابعاً: أثبت سعد الحريري أنه يشكّل إحدى ضمانات الاستقرار السياسي والوحدة الوطنية كونه رجل اعتدال وانفتاح في زمن التطرف والانغلاق ورجل تسامح وتواصل في زمن التشدد والانقطاع. وهذا ما برهنه عبر محطات واستحقاقات كثيرة كان آخرها وأهمها توجّهه إلى المحكمة الدولية في لاهاي ليعلن من هناك أنه يضع المصلحة الوطنية ومقتضيات الوحدة والعيش المشترك والاستقرار على رأس أولوياته ويقدمها على أي اعتبار شخصي حتى ولو كلفه ذلك الترفع عن مشاعر خاصة ونزعات الانتقام والتشفّي...

بعد كل ذلك وبناءً على كل ما تقدّم يمكن القول ببساطة وصراحة وقناعة إنّ لا بديل عن سعد الحريري في رئاسة الحكومة وإنّ التعاطي الصحيح معه لا يكون إلا من هذه الخلفيّة وعلى هذا الأساس وبهدف تسهيل مهمته وإنجاح الحكومة الجديدة، وبالتالي إنجاح العهد الذي هو من أركانه وشركائه.

يسجّل للرئيس الحريري أنه تصرّف بكل مسؤولية ومثابرة في عملية تأليف الحكومة وتفكيك العقد والألغام الكثيرة التي زرعت في طريقها رغم ما تعرّض له من ضغوط ومضايقات وما جرى من استحداث أعراف ومعايير وتدخلات من هنا وهناك في عملية التأليف التي تقع أولاً على عاتقه وهو من يتحمل تبعاتها. كما يسجّل له أنه عزل عملية الحكومة عن كل التعقيدات والمؤثرات الإقليمية وجعلها استحقاقاً داخلياً يعالج ويحل مشاكله وعقده ضمن حوار وتفاهم وتعاون بين القوى والمكونات الرئيسية.

وبعدما وصلت عملية التأليف إلى "خواتيمها" ورست سفينة الحكومة على شاطئ الأمان لم يعد مقبولاً ولا جائزاً إعادة الأمور إلى الوراء والتسبب بمزيد من التأخير والتوتير وايجاد العقد الجديدة.

فلا الوضع الاقتصادي ولا حال المواطنين "البائس" يسمحان بقرف الانتظار والمناورة وممارسة الضغوط والابتزاز، ولا الرئيس سعد الحريري بما واجهه على امتداد عامين من ضغوط وتحديات وما قدّمه من تضحيات وتسهيلات يستأهل هذه الطريقة الفوقية في التعاطي معه وفي الإفتئات على دوره وصلاحياته وفي تجاهل أو إغفال مصالحه وظروفه، وفي اقتحام بيته والتدخل في شؤونه وفرض قواعد جديدة للعبة وكأن المطلوب تحجيم الحريري وتطويعه، وكأن الذين يريدونه أن يبقى رئيساً للحكومة، يريدون أن يكون ضعيفاً ومحاصراً.

لا تلعبوا مع سعد الحريري هذه اللعبة الممجوجة ولا تقتحموا بيته وتعبثوا في محتوياته وخصوصياته، لا تضعوه تحت ضغوط وعقد مفتعلة ولا تحمّلوه وزر الأزمة أكثر من طاقته على التحمّل...

لا تحرجوا سعد الحريري لئلا تخرجوه، وإذا ذهب سيأخذ معه مفتاح الاستقرار السياسي والاقتصادي وسندخل في أزمة حكم ونظام أين منها أزمة الحكومة...

لا تحرجوا سعد الحريري وإنما كافئوه وشجعوه واحتضنوه وخذوا بيده، فكما كانت عودته إلى لبنان شرطاً ومدخلاً للاستقرار والتسويات فإن بقاءه في رئاسة الحكومة هو الشرط والضمانة لحماية وتطوير ما أنجز وتطويره...

وفي الختام لا بدّ من توجيه تحية لفخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون على موقفه الحكيم والرصين والواعي والعاقل عندما قال خلال مقابلته الأخيرة: " يهمنا أن يكون رئيس الحكومة قوياً لأنّ المسؤولية على عاتقه كبيرة ولا يجوز أن يحصل ما يحصل اليوم".. ومن له اذنان سامعتان فليسمع.



 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
حقوق الطبع 2007 - تيميس.كوم الشرق الاوسط