عظة المطران انطوان-شربل طربيه في قداس اختتام سنة الشهادة والشهداء في الكنيسة المارونية

"الاستشهادُ في تعليمِ الكنيسةِ الكاثوليكية، هو الشهادةُ الأسمى لحقيقةِ الإيمان، شهادةٌ تصلُ إلى الموت"




عظة المطران انطوان-شربل طربيه

في قداس اختتام سنة الشهادة والشهداء في الكنيسة المارونية

"الاستشهادُ في تعليمِ الكنيسةِ الكاثوليكية، هو الشهادةُ الأسمى لحقيقةِ الإيمان، شهادةٌ تصلُ إلى الموت"

رعية مار شربل – بانشبول

3 آذار 2018

سعادةَ سفير لبنان في اوستراليا الاستاذ ميلاد رعد،

سعادةَ القنصلِ العامِّ في ولاية نيو ساوث ويلز الاستاذ شربل معكرون،

الآباءُ الاجلاءُ والاخَواتُ الراهباتُ الفاضلات،

الاحزابُ اللبنانيةُ في اوستراليا ورؤساءُ الجمعيّات والمؤسسات والروابط،

الرابطةُ المارونية والمجلسُ الماروني،

الاعلاميون المحترَمون،

أيها الاحباء،

نختتمُ اليومَ سنة الشهادةِ والشهداءِ في الكنيسةِ المارونية، التي أطلقَها صاحبُ الغِبطةِ والنيافةِ البطريرك الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي الكلّيُّ الطوبى ، في رسالتِه الراعويةِ الصادرةِ في التاسعِ من  شباط عامَ 2017 مُعلنًا أنَّها سنةٌ يوبيليةٌ « تبدأُ في عيدِ أبينا القديسِ مارون في التاسعِ من شباط عامَ 2017، وتُختَم في عيدِ أبينا البطريركِ الأولِ القديسِ يوحنا مارون، في الثاني من آذار 2018.

تميّزتْ هذه السنةُ بالاحتفالِ بشهداءِ الكنيسةِ المارونيةِ المعروفين، لا سيَّما رهبانَ مار مارون الثلاثَمئةٍ والخمسين الذين استُشهدوا عامَ خمسِمئةٍ وسبعةَ عشر، وتعيِّدُ لهم كنيستُنا في الحادي والثلاثينَ من تمّوز، والبطريرك دانيال الحدشيتي الذي استُشهد منذُ سبعِمئةٍ وأربعٍ وثلاثينَ سنةً أي عامَ (1283)، والبطريرك جبرائيل الحجولاوي الذي مرَّت على استشهادِه ستُمئةٍ وخمسون سنة، أي في عامِ (1367)، والطوباويِّينَ الشهداءَ الإخوةَ المسابكيِّين الذين استُشهدوا مع عددٍ كبيرٍ من الموارنةِ سنةَ 1860 وتعيّدُ لهم كنيستُنا في العاشرِ من تموز».

ولا بدَّ لنا اليومَ في هذه المناسبةِ من ان نطلبَ صلاةَ وشفاعةَ كلِّ شهداءِ كنيستِنا الذين أراقُوا دماءَهم في سبيلِ إيمانِهم بالمسيحِ، رأسِ الشهداء، وهم غيرُ معروفينَ، ويعودُ استشهادُهم إلى حِقْباتٍ مختلفةٍ من التاريخِ، عَرَفتْ فيها كنيسُتنا أشدَّ الاضطهادات، فَنشهدُ على ِمثالِهم لمحبةِ اللهِ Lehe التي هي اسمى من نِعمةِ الحياة.

والاستشهادُ في تعليمِ الكنيسةِ الكاثوليكية، هو الشهادةُ الأسمى لحقيقةِ الإيمان، شهادةٌ تصلُ إلى الموت. والشهيدُ يؤدّي الشهادةَ للمسيحِ الذي ماتَ وقام، مُتّحدًا معَه بالمحبةِ، مُسطّراً دفاعَه عن حقيقةِ الايمانِ بحروفٍ من دم» (كتابُ التعليم المسيحي، عدد 2474).

وفي هذا الاطار، وَضعتْ الكنيسةُ المقدَّسةُ والرسوليةُ، قواعدَ لتمييزِ الشهداءِ في وثيقةِ « أُمّ القديسين» الصادرةِ عن مَجْمَع دعاوى القدِّيسينَ في السابعَ عشرَ من أيارعامَ 2007، والتي تتناولُ دعاوى إعلانِ الطوباويِّينَ والقِّديسينَ بحسبِ الأعرافِ الكنسيّة. من هذا المنطلقِ، تقومُ لجانٌ مُختصَّةٌ بإجراءِ تحقيقٍ دقيقٍ حولَ حياةِ الشخصِ واستشهادِه، وشُهرةِ الاستشهاد، والعلاماتِ الايمانيةِ المُرتبطةِ بذلك. وفوقَ ذلكَ يجبُ التأكُّدُ من أنَّ سببَ الاستشهادِ هو الإكراهُ في الدينِ من قِبَل المُضطَهِد، أو الحضُّ على إنكارِ الإيمان، بشكلٍ مباشِرٍ أو غيرِ مباشِر، من دونِ اعتبارِ الأسبابِ السياسيةِ أو الإجتماعيةِ أو ما شابهَها. ويُفترضُ بالاستشهادِ أن يكونَ قُبولاً حُرًّا، لا أنْ يَطلبَه الإنسانُ أو يبحثَ عنه. لذا، تدعو الكنيسةُ كلَّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ إلى أن يكونَ مستعدًّا للموتِ من أجلِ الإيمانِ بالمسيح، لا أنْ يَطلُبَه.

إنّ كنيسةَ الألْفيّةِ الأولى وُلدت من دماءِ الشهداءِ التي كانت وما تزالُ بِذاراً إيمانيةً خَصبة، وقد أدّت الاضطهاداتُ على المؤمنينَ، كهنةً ورُهبانًا وعلمانيِّين، إلى زرعٍ وفيرٍ من الشهداءِ في شتّى أنحاءِ العالم. وفي نهايةِ الألفيّةِ الثانية، صارت الكنيسةُ مُجدَّدًا كنيسةَ الشهداء، وأصبحت الشهادةُ المؤدَّاةُ للمسيحِ حتَّى الدَّمِ تُراثًا مُشتركًا بينَ كلّ المسيحيِّين. واليومَ، في بداياتِ الألفيّةِ الثالثة، تعُودُ كنيستُنا المارونية، الى ذاكرتِها التاريخيّة، الى شهادةِ شهدائِها ونُسَّاكِها الابرار، لتُجِّدَد بين ابنائِها روحيةَ الشهادةِ حتَّى الدّمِ لمُعلّمِها الإلهيِّ يسوعَ المسيح، وتنطلقَ الى الآفاقِ الرسوليّةِ الجديدة.

واحتفاُلنا في هذا المساءِ، ما هو إلاّ لإحياءِ ذكرى هؤلاءِ الشهداءِ الذين أحبُّوا المسيح، وتبِعوه بكلِّ جُرأةٍ وايمان، واصبَحوا مُثُلاً للمؤمنينَ في عْيشِ الإيمانِ وقداسةِ السيرةِ وقوةِ المغفِرة. والكنيسةُ في إعلانِ وتكريمِ قداسةِ أبنائِها وبَناتِها انّما تؤدِّي التكريمَ السامِيَ إلى الله ِ Lahi نفسِه، لانّنا بتكريمِ الشهداءِ نكرّمُ يسوعَ المسيحَ نفسَه، منبَعِ شهادتِهم وقداستِهم ونُبقي ذكراهم حيّةً من جِيلٍ الى جيل.

وإنْ عُدْنا إلى تاريخِنا وجدناهُ مطعَّمًا بروحانيةِ النُّسكِ والشهادةِ اللذَين يُكوّنانِ البُعدَينِ المتكاملَينِ في روحانيِتنا المارونيةِ التي وضعَها مار مارون وعاشَها تلاميذُه وشعبُه من بعدِه. وفي الحالتينِ تظهرُ راديكاليةِ العَيشِ المسيحيِّ في اتِّباعِ يسوعَ المسيح. وما كنائسُنا وأديارُنا المارونيةُ سوى خيرِ شاهٍد على هذا الإرثِ العظيم؛ حيث شفعاؤُنا هم من الشهداءِ أو من النُّساكِ الكبار: إسطفانوس، تقلا، قبريانوس ويوستينا، سركيس وباخوس، نوهرا، ماما، عبدا، شربل الرهاوي، شليطا....أو مارون ، سابا، أنطونيوس، ضوميط، سمعان العمودي، بيشاي، مارينا، وسواهم الكثيرينَ من الوجوهِ النيّرةِ والمشرقةِ التي طَبعتْ، ولا تزالُ، تاريخَنا ووجدانَنا ومسيرتَنا المسيحيةَ في لبنانَ والشرق، بل في كلِّ مكانٍ من ترحاِلنا وانتشارِنا واستقرارِنا.

ومن سنةِ الشهادةِ والشهداءِ المطبوعةِ بالروحانيةِ المارونيةِ النُّسكيةِ والرسوليةِ نستخلصُ المعانيَ التالية:

1.       الإستعدادُ الدائمُ للإستشهادِ دفاعًا عن إيمانِنا باللهِ الآبِ والابنِ والروحِ القدس في كلِّ مكانٍ وزمان.

2.       التمسُّكُ بالحريةِ في عَيش الايمانِ باللهِ والتعبيرُ عنها في كنائسِنا واديارِنا ومدارِسنا ومجتمعِنا دونَ خوفٍ او تردّدٍ، ووفاءً لدماءِ الشهداءِ القدِّيسين.

3.       التعلّقُ والمحافظةُ على الروحانيةِ المارونيةِ المشرقيةِ السريانيةِ الأنطاكيةِ في مجتمعِنا الاوسترالي، والسعيُ الى التعرفِ اكثرَ عليها ونشرِها بين الاجيالِ المارونيةِ الجديدة.

وكما جاءَ المَوارنةُ الى جبلِ لبنانَ وحوّلوهُ ديرًا للصلاةِ والابتهالِ إلى اللهِ وأطلقوا على أعلى قِمةٍ فيه اسمَ « قَرنو دسُوهدي» أي قرنِ الشهود أو ِقمةِ الشهداءِ مثالاً لكلِّ قِمةٍ روحية؛ وأطلقوا على أكبرِ وادٍ فيه اسمَ وادي قاديشا أي وادي القدِّيسين، هكذا نحنُ ايضاً، لمَّا وصلَ أجدادُنا المَوارنةُ الى شواطىءِ اوستراليا، أطلقوا على اولِ كنيسةٍ بَنَوْها سنةَ 1897 إسمَ كنيسةِ القديسِ مارون، كما اطلقَ المثلثُ الرحمةِ المطران عبدُه خليفة على اولِ مركزٍ للمطرانيةِ في اوستراليا إسمَ بيت مارون، ومع وصولِ ذخائرِ ابينا مارون الى اوستراليا واحتفالِنا بها في الشهرِ الفائت ، تنطلقُ من جديدٍ مسيرةُ الروحانيةِ المارونيةِ الاصيلةِ في ابرشيتِنا. ونحنُ اليومَ وبعدَ نهايةِ هذا القُداسِ الالهيِّ سنُباركُ النُّصُبَ التَّذكاريَّ لسنةِ الشهداءِ والشهادة، في باحةِ معهدِ القديس شربل، بمُبادرةٍ طيِّبةٍ من رئيسِ الديرِ وجُمهور الآباءِ الرُّهبانِ في الرهبانيةِ اللبنانيةِ المارونية.

واريدُ في الختامِ ان اتوقفَ عند قصةِ شهيدةٍ، تكلّمَ عنها قداسةُ البابا فرنسيس في معْرِضِ كلامِهِ عن معاني الشهادةِ والشهداءِ اذ قال:

«أَقترحُ إضافةَ أيقونةٍ جديدةٍ لشهيدة، وهي امرأةٌ من الشرقِ الأوسط، ذبحَها إرهابيونُ لرفضِها رميَ الصليبِ الذي كانت تحمِلُه في عنُقِها ». وقال: « أرغبُ في إضافةِ أيقونةِ امرأةٍ أجهلُ اسمَها، لكنّها الآنَ َتنظرُ إلينا من السماء. كنتُ في ليسبوس في نَيْسانَ عامَ 2016 عندما التقيتُ زوجَها وأولادَهما الثلاثة. قال لي زوجُها: أنا مسلمٌ وزوجتي كانت مسيحية. وصَل إرهابيونَ إلى بلادِنا، ونظَروا إلينا سائلينَ عن ديانتِنا. رأَوْا صليبَها وطلبوا منها أن ترميَهُ أرضًا لكنَّها رفضَت؛ فَحَزُّوا عنُقَها أمامَ عينيّ.  كنا نحبُّ أحدُنا الآخرَ كثيرًا ».

أمامَ هكذا مأساةٍ نرفَعُ صَلاتَنا للهِ من أجلِ انتصارِ المحبةِ على الحقد، والمعرفةِ على الجَهل، والسلامِ على الحرب، والأخُوّةِ على العَداوة، والعَدالةِ على الظلم، ونطلبُ من الرَّبِ ان يُنيرَ العقولَ المُظلمةَ ويوقظَ الضمائرَ النائمةَ لكي تتوقفَ الاعتداءاتُ والاضطهاداتُ على المسيحيِّينَ في أنحاءٍ عديدةٍ من العالم، وخصوصاً في بلدانِ الشَّرقِ الأوسط، كما علينا ان نرفعَ الصوتَ ونقولَ: كفى قتلاً ودمارًا وتشريدًا وتهجيرًا في سوريا.

أيُّها الاحباء،

إنّ مسيرةَ الشهادةِ والاستشهادِ مستمرةٌ في كنيستِنا ومجتمعِنا. والشهود المَخفيُّون، أي الرجالُ والنساءُ الذين ينطلقونَ في الحياةِ اليوميةِ الى مساعدةِ إخوةٍ وأخواتٍ لهم، والاعتناءِ بهم انطلاقاً من ايمانِهم باللهِ ومن حبِّهِم اللا محدودِ لأخيهم الانسان، يتواجدون بأعدادُهم وفيرةٌ في ما بينَنا. واسمحوا لي على سبيلِ المثالِ لا الحصرِ ان أُنوّهَ باثنينِ من هؤلاءِ الشهود المخفيِّينَ، وقد أتَـوْا من بعيدٍ ليُصلُّوا معَنا في هذا المساء: البرفسور العزيز فيليب سالم  الاتي الينا من الولاياتِ المتحدةِ الامريكية وهو رسول رحمة ورجاء لمرضى السرطان، والصديقِ الدكتور سليم صفير الاتي من لبنان، وصاحب الايادي البيضاء تجاه الفقراء والمحتاجين.

وفي اختتام سنةِ الشهادةِ والشهداء، نرفعُ عقولَنا وأفكارَنا إلى أمِّنا العذراءِ مريمَ، سلطانةِ الشهداء، والقديسِ شربل شفيعِ هذه الكنيسة، راجينَ أن نعيشَ على مثالِ الشهداءِ والقديسينِ، فنكونَ دوماً ثابتينَ في إيمانِنا وراسخينَ برجاِئنا، ومتجذِّرينَ بالمحبةِ والوفاء. وما إحياءُ ذكرى شهداِئنا الأبرارِ، الذي نرجو أن يتحوّلَ عيداً سنوياً في روزنامِتنا المارونية، إلاّ حافزٌ لتجديدِ اتِّباعِنا ليسوعَ المسيح، الشّاهدِ الأولِ لمحبةِ اللهِ الآبِ، والشهيدِ الأولِ لهذه المحبةِ في عالمِنا. أمين

Dearly Beloved,

We gather on this evening to conclude the Year of Martyrs and Martyrdom in the Maronite Church, announced by His Beatitude and Eminence Mar Bechara Boutros  Cardinal Rai, our Patriarch, who in his pastoral message of February 9, 2017, announced this Jubilee year stating that: "It begins on the feast of our Father St. Maroun on 9 February 2017 and concludes on the feast of the First Patriarch St. John Maroun on 2 March 2018. "

This year was marked by the celebration of the martyrs of the Maronite Church, especially the monks of St. Maroun, who were martyred in the year 517, Patriarch Daniel Hadchiti, who was martyred seven hundred and thirty-four years ago (1283), Patriarch Gabriel El-Hajjouli (1367), and the martyrs of the Massabki brothers who were martyred with a large number of Maronites in 1860.

From this Year of Martyrs and Martyrdom, imprinted with the Maronite spirituality, we draw the following:

1.         Constant readiness to martyrdom in defense of our faith in God the Father and the Son and the Holy Spirit, at every place and time;

2.         To appreciate our freedom to live our faith in God and to express this faith in our churches, monasteries, schools and society without fear or hesitation, in honour of the blood of the holy martyrs;

3.         To appreciate and preserve the Maronite, Oriental, Syriac, Antiochian spirituality in our Australian society and to seek to learn more about it and pass it on to the new Maronite generations.

At the end of this year, we raise our minds and thoughts to the Virgin Mary, the Queen of Martyrs, and Saint Charbel, Patron of this church, hoping to live by the example of martyrs and saints. The commemoration of our righteous martyrs, which we hope will become an annual holiday in our Maronite calendar, is an incentive to renew our commitment to Jesus Christ, the first witness of the love of God the Father and the first martyr of love in our world. Amen.



 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
حقوق الطبع 2007 - تيميس.كوم الشرق الاوسط